والثاني فرع ، ولا أحدهما مردود إلى الآخر ، ولا أحدهما أولى بأن يكون قياسا
على الآخر ، من أن يكون الآخر قياسا كزيد ليس أولى بالآدمية من عمرو ،
ولا حمار خالد أولى بالحمارية من حمار محمد ، والغراب الأسود والسح ليس
أحدهما أولى بالسواد من الآخر ، وهذا كله باب واحد في جميع ما في العالم .
وكذلك الشرائع ليس بر بغداد بأولى بالتحريم في بيع بعضه ببعض متفاضلا
من بر الأندلس ، ولا سمن المدينة إذا مات فيه الفأر وهو مائع بأولى أن يهراق
من سمن مصر ، فهذا هو الذي لا شك فيه .
وأما ما يريدون من دس الباطل ومالا يحل جملة الواجب فلا يجوز لهم بعون
الله تعالى إلا على جاهل مغتر بهم ، أهلكوه إذ أحسن الظن بهم ، وذلك أنهم
يريدون أن يأتوا إلى ما ساوى نوعا آخر في بعض صفاته فيلحقونه به فيما لم يستو
معه ، وهذا هو الباطل المحض الذي لا يجوز البتة .
أول ذلك ، أنه تحكم بلا دليل ، وما كان هكذا فقط سقط ، وقد صح عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن المؤمن كقتله وكل مسلم يعلم أنه لا تشابه أقوى
من تشابه أخبر به صلى الله عليه وسلم ، فإذا لا شك في هذا ، وصح يقينا أن لعن المؤمن
كقتله وأجمعت الأمة ، بلا خلاف ، أن لعن المؤمن لا يبيح دم اللاعن كما يبيح
القتل دم القاتل ، ولا يوجب دية كما يوجب القتل دية فبطل قول من قال إن الاشتباه
بين الشيئين يوجب لهما في الشريعة حكما واحدا فيما لم على اشتباههما فيه .
وبعد ، فإن البرهان يبطل قولهم من نفس هذه المقدمة التي رتبوا وذلك أنه
ليس في العالم شيئان أصلا ، بوجه من الوجوه ، إلا وهما مشتبهان من بعض الوجوه ،
وفي بعض الصفات ، وفي بعض الحدود لا بد من ذلك ، لأنهما في محدثان أو
مؤلفات ، أو جسمان أو عرضان ، ثم يكثر وجود التشابه على قدر استواء الشيئين
تحت جنس أعلى ، ثم تحت نوع فنوع ، إلى أن تبلغ نوع الأنواع الذي يلي
الأشخاص ، كقولنا : الناس ، أو الجن ، أو الخيل ، أو البر ، أو التمر ، وما أشبه ذلك ،
الاحكام — صفحة 1038
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٣٨