تعالى لم يخلق في هذا العالم ، مما شاهدنا بالحواس أو بالعقل أو بالمقدمات الراجعة
إلى الحواس والعقل ، غير ما شاهدنا بذلك ، ولعله تعالى قد خلق عوالم بخلاف
صفة عالمنا هذا ، إلا أن هذا أمر لا نحققه ولا نبطله ، ولكنه ممكن والله أعلم ،
ولا علم لنا إلا ما علمنا الله ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا أيضا فقالوا : إن في النصوص جليا وخفيا ، فلو كانت كلها جلية
لاستوى العالم والجاهل في فهمها ، ولو كانت كلها خفية لم يكن لاحد سبيل إلى
فهمها ، ولا إلى علم شئ منها ، قالوا : فوجب بذلك ضرورة أن نستعمل القياس
من الجلي على معرفة الخفي .
قال أبو محمد : وهذه مقدمة فاسدة ، والاحكام كلها جلية في ذاتها ، لان الله
تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ولا يحل لمسلم أن يعتقد
أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالبيان في جميع الدين فلم يفعل ولا بين ، وهذا
ما لا يجوز لمسلم أن يخطره بباله ، فإذ لا شك في هذا ، ونوقن أنه صلى الله عليه وسلم
قد بين الدين كله . فالدين كله بين ، وجميع أحكام الشريعة الاسلامية كلها جلية ،
واضحة ، وقد قال عمر رضي الله عنه : تركتم على الواضحة ، ليلها كنهارها ،
أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ، وقال أيضا رضي الله عنه : سننت لكم السنن ،
وفرضت لكم الفرائض ، إلا أن يضل رجل عن عمد .
قال أبو محمد : إلا أن من الناس من لا يفهم بعض الألفاظ الواردة في القرآن
وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، لشغل بال أو غفلة أو نحو ذلك ، وليس عدم هذا الانسان
فهم ما خفي عليه بمانع أن يفهمه غيره من الناس ، وهذا أمر مشاهد يقينا ، وهكذا
عرض لعمر رضي الله عنه إذا لم يفهم آية الكلالة وفهمها غيره ، وقال عمر رضي
الله عنه : اللهم من فهمته إياها فلم يفهمها عمر . وقال : ما راجعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم في شئ ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي بشئ ما أغلظ لي فيها ، إلى
أن طعن بأصبعه في صدري وقال لحفصة : ما أراه
يفهمها أبدا أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، فصح ما قلناه يقينا ، وأخبر صلى الله عليه وسلم
أن آية الصيف كافية الفهم وأن عمر لم يفهمها ، ليس لأنها غير كافية ، بل هي
كافية بينة ، ولكن لم ييسر لفهمها .
الاحكام — صفحة 1028
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٢٨