على أن كل تنازع في شئ من الدين ، فإن الواجب فيه تحكيم كتاب الله عز وجل ،
وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، والتنازع بين علي ومعاوية لا يجهله من له أقل معرفة في
بالاخبار ، ففرض عليهما تحكيم القرآن كما فعلا ، فأي قياس ههنا لو أنصف
هؤلاء القوم عقولهم ؟ .
فإن كان هذا عندهم قياسا فقد ضيعوه وتركوه ، ويلزمهم إن تحاكم إليهم
اثنان في بيع أو دين أو غير ذلك ، فليبعثوا من أهل كل واحد منهما حكما ،
وإلا فقد تركوا القياس بزعمهم .
فإن قالوا : فهلا كفاهم حكم واحد حتى احتجوا إلى اثنين ، قيل لهم ، وبالله
تعالى التوفيق : إن أهل العراق لم يرضوا حكما من أهل الشام ، ولا رضي أهل
الشام حكما من أهل العراق ، فلذلك اضطروا إلى حكم من كلتا الطائفتين .
وأما الرواية عن علي وعمر في قتل الجماعة بالواحد فكما حدثنا حمام ، نا ابن مفرج ،
ثنا ابن الأعرابي ، نا الدبري ، نا عبد الرزاق ، نا ابن جريج ، أخبرني عمرو قال : قال
أخبرني حيي بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يعلى يقول : وذكر قصة الذي قتله امرأة
أبيه وخليلها ، أن عمر بن الخطاب كتب إلي : اقتلهما فلو اشترك في دمه أهل
صنعاء كلهم لقتلتهم ، قال ابن جريج : فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعا : إن عمر
كان يشك فيها حتى قال له علي : يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة
جزور ، فأخذ هذا عضوا ، وأخذ هذا عضوا ، كنت قاطعهم ؟ قال : نعم ، قال : فذلك حين
ليس أحدهما أصلا للآخر ، لان النص قد ورد بقتل من قتل ، وكما ورد بقطع من
سرق ليس أحد النصين في القرآن بأقوى من الآخر ، قال تعالى : * ( ولكم في
القصاص حياة ) * وقال تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * وقال تعالى : * ( والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ولم يخص تعالى من كلا الامرين منفرد من مشارك ،
فلو صح لكان علي إنما أنكر على عمر اختلاف حكمه فقط ، وتركه أحد
النصين وأخذه بالآخر . وهذا هو الذي ننكره نحن سواء بسواء ، فخرج
هذا الخبر ، لو صح ، من أن يكون له في القياس مدخل أو أثر أو معنى ،
والحمد لله رب العالمين .
الاحكام — صفحة 1025
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٢٥