نوع البيض وكلاهما ينكسر إذا لاقا جسما صليبا مكتنزا . ونحن لو خرطنا صفة
بيضة من عاج أو من عود البقس حتى تكون أشبه ببيضة النعامة من الماء
بالماء ، ولم تشبه بيضة الحجلة إلا في الجسمية فقط ثم ضربنا بها الحجر لما
انكسرت . فصح أن الشبه لا معنى له في إيجاب استواء الاحكام البتة ، وبطل
قولهم : إننا علمنا انكسار ما بأيدينا من البيض لشبهها بما شاهدنا انكساره منها ،
وصح أنه من أجل الشبه بينهما وجب انكسار هذه كانكسار تلك .
وإنما الذي يصح بهذا فهو قولنا : إن كل ما كان تحت نوع واحد فحكمه مستو
وسواء اشتبها أو لم يشتبها . فقد علمنا أن العنب الأسود الضخم المستطيل أو
المستدير أشبه بصغار عيون البقر الأسود منه بالعنب الأبيض الصغير ، لكن
ليس شبهه به موجبا لتساويهما في الطبيعة ، ولا بعده عن مشابهة العنب
بموجب لاختلافهما في الطبيعة ، فبطل حكم التشابه جملة ، وصح أن الحكم للاسم
الواقع على النوع الجامع لما تحته .
وهكذا قلنا نحن : إن حكمه صلى الله عليه وسلم في واحد من النوع حكم منه في جميع
النوع ، وأما القياس الذي ننكر فهو : أن يحكم لنوع لا نص فيه بمثل الحكم
في نوع آخر قد نص فيه ، كالحكم في الزيت تقع فيه النجاسة بالحكم في السمن
يقع فيه الفأر ، وما أشبه هذا ، فهذا هو الباطل الذي ننكره ، وبالله التوفيق .
ومعرفة المرء بأول طبيعته لا ينكرها إلا جاهل أو مجنون ، فنحن نجد الصغير
يفر عن الموت ، وعن كل شئ ينكره وعن النار ، وإن كان لم يحترق قط ، ولا
رأى محترقا ، وعن الاشراف على المهواة ونجده يضرب بيده إذا غضب ، وهو
لا يعلم أن الضرب يؤلم ، ويعض بفمه قبل نبات أسنانه وهو لم يعضه قط أحد
فيدري ألم العض . نعم حتى نجد ذلك في الحيوان غير الناطق ، فنجد الصغير من
الثيران ينطح برأسه قبل نبات قرنيه ، والصغير من الخنازير يشتر بفمه قبل كبر
ضرسه ، والصغير من الدواب يرمح قبل اشتداد حافره ، وهذا كثير جدا .
الاحكام — صفحة 1030
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٣٠