فبمثل هذا الطبع علمنا أن كل رخص المجسمة فإنه يتغير بانكسار أو تبدل
شكل إذا لاقى جسما صليبا ، وبه علمنا أن كل نار في الأرض وفيما تحت الفلك
فهي محرقة ، لا بالقياس البارد الفاسد ، وليس هذا في شئ من الشرائع البتة
بوجه من الوجوه ، لأنه لم تكن النار قط منذ خلقها الله تعالى إلا محرقة ، حاشا
نار إبراهيم لإبراهيم عليه السلام وحده ، لا لغيره بالنص الوارد فيها ، ولم يجز أن
يقاس عليها غيرها ، ولا كانت البيضة قط إلا متهيئة للانكسار إذا لاقت شيئا
صلبا ، وقد كان البر بالبر حلالا متفاضلا برهة من الدهر ، وكذلك كل شئ
من الشريعة واجب فقد كان غير واجب ، حتى أوجبه النص ، وغير حرام
حتى حرمه النص ، فليست ههنا شئ أن يجب أن يقاس عليه ما لم يأت بإيجابه نص
ولا تحريم أصلا ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بأن قالوا : إن علمنا بما في داخل هذه الجوزة والرمانة على صفة ما
إنما هو قياس على ما شاهدنا من ذلك ، وإلا فلعل داخلهما جوهر أو شئ مخالف
لما عهدناه ، وكذلك أن في رؤوسنا أدمغة ، وفي أجوافنا مصرانا ، وأن هذا الصبي
لم تلده حمارة ، وأن الاحياء يموتون ، إنما علمنا ذلك قياسا على ما شاهدنا .
قال أبو محمد : وهذا من أبرد ما موهوا به وما علم قط ذو عقل أن من أجل
علمنا بأن ما في داخل هذه الرمانة كالذي في داخل هذه وأن في أجوافنا مصرانا ،
وفي رؤوسنا أدمغة ، وأن الناس لم تلدهم الأتن ، وأن الاحياء يموتون ، علمنا
أن الزيت ينجس إذا مات فيه عصفور ، ولا ينجس إذا مات فيه مائة عقرب
وأن التمرة بالتمرة حرام والتفاحة بالتفاحة حلال . وأن البئر إذ مات فيها
سنور نزح منها أربعون دلوا فإن سقط فيها نقطة بول نزحت كلها . وأن من
مس دبره انتقض وضوءه ، وأن من مس أنثييه لم ينتقض وضوءه وهل بين
هذه الوجوه والتي قبلها تشبيه ؟ .
وإن المشبه بين هاتين الطريقتين لضعيف التمييز ، وتلك أمور طبيعية
ضرورية تولى الله عز وجل إيقاعها في القلوب . لا يدري أحد كيف وقع له
علمها . وهذه الاخر : إما دعاوى لا دليل عليها ، وإما سمعية لم تكن لازمة
ثم ألزم الله منها بالنص لا بالكهانة ولا بالدعوى .
الاحكام — صفحة 1031
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٣١