قال أبو محمد : ومن أعاجيب أهل القياس : أنهم في هذا المكان يحتجون بأن
إمامة أبي بكر كانت قياسا لا نصا ، ثم نسوا أنفسهم - أو تناسوا عمدا ؟ فإذا
أرادوا إثبات التقليد للمصاحب قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين
من بعدي أبي بكر وعمر .
قال أبو محمد : وهذا أعجب ما شئت منه فإن كان هذا الحديث صحيحا فقد
صح النص من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافة أبي بكر بعده ، ثم على خلافة عمر
بعد أبي بكر ، وبطل قولهم : إن بيعة أبي بكر كانت قياسا على صلاته بالناس ،
وإن كان هذا الحديث لا يصح فلم احتجوا به في تقليد الإمام من الصحابة ؟
أفيكون أقبح من هذه المناقضات بما يبطل بعضه بعضا ؟ ولكن إنما شأن
القوم نصر المسألة التي يتكلمون فيها بما أمكن ، من حق أو باطل أو ضحكة ،
أو بما يهدم عليهم سائر مذاهبهم ، ليوهموا من بحضرتهم من المغرورين بهم
أنهم غالبون فقط ، فإذا تركوها وأخذوا في غيرها ، لم يبالوا أن ينصروها أيضا بما
يبطل قولهم في المسألة التي تركوا ، وهكذا أبدا ونعوذ بالله من الخذلان .
واحتجوا بأن أبا بكر قاتل أهل الردة مع جميع الصحابة قياسا على منع الصلاة ،
واحتجوا في ذلك بما روي من قوله : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، حتى
إن بعض أصحاب القياس قال : على هذا عول أبو بكر ، لا على الآية التي في براءة .
قال أبو محمد : وهذا من الجرأة واستحلال الكذب ، ونسب الضلال إلى
أبي بكر بحيث لا مرمى وراءه ، ومن نسب هذا إلى أبي بكر فقد نسب إليه
الضلالة ، وقد أعاذه الله من ذلك ، وبيان كذبهم في هذا الاعتراض أوضح من
كل واضح لان أبا بكر لم يقل لأقاتلنهم لأنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة وإنما
قال : لأقاتلن المفرقين بين الصلاة والزكاة ، وإنما فعل ذلك - بلا شك - وقوفا
عند إلزام الله تعالى لنا وللمسلمين قديما وحديثا إذ يقول تعالى : * ( فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن
تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) * فلم يبح الله تعالى لنا ترك
سبيلهم إلا بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فهذا الذي حمل أبا بكر على قتالهم
لا ما يدعونه من الكذب المفضوح من القياس الذي لا طريق له ههنا .
الاحكام — صفحة 989
مساهمون: ابن حزم
ص٩٨٩