منصوص بين في القرآن والسنة ، فمن قائل : ليس عليه العمل ، ومن قائل : هذا
تلقى بخلاف ظاهره ، ومن قائل : هذا خصوص ، ومن قائل : هذا منسوخ . ومن
قائل : هذا تأويل ، وكل هذا منهم بلا دليل في أكثر دعواهم كاختلافهم في
وجوب الوصية لمن لا يرث من الأقارب والاشهاد في البيع ، وإيجاب الكتابة ،
وقسمة الخمس ، وقسمة الصدقات وممن تؤخذ الجزية ، والقراءات في الصلوات
والتكبير فيها ، والاعتدال ، والنيات في الأعمال والصوم ، ومقدار الزكاة
وما يؤخذ فيها المتعة في الحج ، والقرآن والفسخ ، وسائر ما اختلف الناس
فيه ، وكل ذلك منصوص في القرآن والصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فعلى هذا وعلى النسيان للنص كان اختلاف من اختلف في خلافة أبي بكر .
وأما الأنصار فإنهم لما ذكروا ، وكان قبل ذلك قد نسوا ، حتى قال
قائلهم : منا أمير ومنكم أمير ، ودعا بعضهم إلى المداولة ، وبرهان ما قلنا أن
عبادة بن الصامت الأنصاري روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الأنصار بايعوه
على ألا ينازعوا الامر أهله ، وأنس بن مالك الأنصاري روى عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، أن الأئمة من قريش .
فبهذا ونحوه رجعت الأنصار عن رأيهم ، ولا ذلك ما رجعوا إلى رأي
غيرهم ، ومعاذ الله أن يكون رأي المهاجرين أولى من رأي الأنصار ، بل النظر
والتدبير بينهم سواء ، وكلهم فاضل سابق . وقد قال عمر يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم :
والله ما مات رسول الله ، وهو يحفظ قول الله عز وجل : * ( إنك ميت وإنهم
ميتون ) * فلما ذكر بها خر مغشيا عليه ، وهكذا عرض للأنصار .
وقد روينا ذلك نصا . كما حدثنا عبد الله بن ربيع ، نا عبد الله بن محمد بن
عثمان الأسدي ، نا أحمد بن خالد ، نا علي بن عبد العزيز ، نا الحجاج بن المنهال ،
ثنا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري -
فذكر حديث وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : فقال رجال أدركناهم - فذكر
باقي الحديث - وفيه ، أن أبا بكر قال : وقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال وأنت قاعد : إن الأئمة من قريش ، والناس برهم تبع لبرهم ، وفاجرهم
تبع لفاجرهم قال : صدقت أو قال : نعم .
الاحكام — صفحة 988
مساهمون: ابن حزم
ص٩٨٨