وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله : * ( ولا تنازعوا ) * فمن المحال أن
يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم ، وفيهم من
يحلل الشئ ، وغيره منهم يحرمه ، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء
بسمرة بن جندب ، ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة ،
وحراما اقتداء بغيره منهم ، ولكان ترك الغسل من الاكسال واجبا اقتداء
بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب ، وحراما اقتداء بعائشة وابن
عمر ، ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر ، حراما اقتداء
بغيره منهم ، وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة ، تركناها خوف
التطويل بها ، وقد بينا آنفا إخباره عليه السلام أبا بكر بأنه أخطأ .
وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره صلى الله عليه وسلم ، فيبلغه ذلك فيصوب
المصيب ويخطئ المخطئ ، فذلك بعد موته صلى الله عليه وسلم أفشى وأكثر ، فمن ذلك
فتيا أبي السنابل لسبيعة الأسلمية بأن عليها في العدة آخر الأجلين ، فأنكر عليه
السلام ذلك ، وأخبر أن فتياه باطل . وقد أفتى بعض الصحابة - وهو صلى الله عليه وسلم
حي - بأن على الزاني غير المحصن الرجم ، حتى افتداه والده بمائة شاة ووليدة -
فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك الصلح وفسخه ، وذكر صلى الله عليه وسلم السبعين ألفا من
أمته يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر ، فقال بعض الصحابة : هم قوم
ولدوا على الاسلام فخطأ النبي صلى الله عليه وسلم قائل ذلك .
وقالوا - إذ نام النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح - : ما كفارة ما صنعنا ؟ فأنكر
النبي صلى الله عليه وسلم قولهم ذلك ، وأراد طلحة بحضرة عمر بيع الذهب بالفضة نسيئة ،
فأنكر ذلك عمر ، وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك . وباع بلال صاعين من
تمر بصاع من تمر ، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وأمره بفسخ تلك البيعة ، وأخبره
أن هذا عين الربا ، وباع بعض الصحابة بريرة واشترط الولاء ، فأنكر النبي
صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولام عليه ، وقال عمر لأهل هجرة الحبشة : نحن أحق برسول الله
صلى الله عليه وسلم منكم ، فكذبه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .
وقال جابر : كنا نبيع أمهات الأولاد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرنا ،
وأخبر أبو سعيد أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر والنبي صلى الله عليه وسلم حي
الاحكام — صفحة 811
مساهمون: ابن حزم
ص٨١١