قال أبو محمد : هذا في غاية الصحة .
وكل ما رويناه الآن من ابن عمر وابن مسعود وابن عباس يبين مرادهم بقولهم :
فليجتهد رأيه لو صح ذلك عنهم ، وأنه ليس على القول في الدين بالرأي أصلا
لكن بأن يجتهد حتى يرى الحق في القرآن والسنة .
حدثنا حمام ، نا الباجي ، نا عبد الله بن يونس ، نا بقي بن مخلد ، نا أبو بكر بن
أبي شيبة ، نا يزيد بن هارون ، نا حماد بن سلمة ، عن قتادة أن أبا موسى الأشعري قال :
لا ينبغي لقاض أن يقضى حتى يتبين له الحق كما يتبين له الليل عن النهار ، فبلغ
ذلك عمر بن الخطاب فقال : صدق .
قال أبو محمد : هذا يبين أنهم لم يجيزوا القول بالرأي الذي إنما هو ظن ،
ويبين أنهم كانوا يرون خبر الواحد يوجب العلم والقطع به ولا بد .
أخبرني محمد بن سعيد بن نبات ، ثنا أحمد بن عبد البصير ، نا قاسم بن أصبغ ، ثنا
محمد بن عبد السلام الخشني ، نا محمد بن المثنى ، نا مؤمل بن إسماعيل الحميري ، نا
سفيان الثوري ، نا أبو إسحاق الشيباني ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : كتب
كاتب لعمر بن الخطاب : هذا ما رأى الله ورأى عمر ، فقال عمر : بئس ما قلت ،
إن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمن عمر .
حدثنا يونس بن عبد الله ، نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ، نا أحمد بن خالد ،
حدثنا نا محمد بن عبد السلام الخشني ، نا محمد بن بشار ، نا يحيى بن سعيد القطان ،
حدثنا مجالد عن الشعبي ، عن مسروق قال : قال عبد الله بن مسعود : يذهب العلماء
ويبقى قوم يقولون برأيهم ، قال الشعبي : لعن الله أرأيت .
قال أبو محمد : والله ما أفتى قط أحد من الصحابة رضي الله عنهم باجتهاد رأيه
إلا كما ترى ، بعد أن يبحث عن السنة فتغيب عنه ، وهي عند غيره بلا شك ،
ثم لا يجعل رأيه ذلك إلا مما يخاف الله تعالى فيه ، ويشفق منه ويتبرأ من التزامه ،
وكذلك كان التابعون رحمهم الله ، فأتى اليوم ناس يجعلونه دينا يبطلون به كلام
الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم . نعوذ بالله من الخذلان .
وقد روينا أيضا عن ابن عمر ، كما نا المهلب ، نا ابن مناس ، أنا ابن مسرور ،
حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، نا ابن وهب ، أخبرني عمر بن الحارث أن عمرو بن
الاحكام — صفحة 784
مساهمون: ابن حزم
ص٧٨٤