الظالمين أن يحولوا بينهم وبين ألسنتهم ، كما حالوا بينهم وبين العمل ،
وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : ومن البرهان اللائح على بطلان التقليد أن أهل العصر الأول
والعصر الثاني والعصر الثالث : وهي القرون التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم كما
حدثنا عبد الله بن ربيع ، عن محمد بن إسحاق بن السليم ، عن ابن الأعرابي ، عن
أبي داود ، عن مسدد وعمرو بن عون قالا : ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن زرارة
ابن أوفى ، عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتي القرن
الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، والله أعلم أذكر الثالث
أم لا ، ثم يظهر قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ،
ويحربون ولا يؤتمنون ، ويفشون فيهم السمن .
قال أبو محمد : وهكذا في كتابي ، والصواب : يخونون ولا يؤتمنون . وبلفظة
يخونون ، رويناه من طريق مسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، عن
أبي حمزة ، عن زهدم ، عن عمران ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فكان أهل هذه القرون
الفاضلة المحمودة يطلبون حديث النبي صلى الله عليه وسلم والفقه في القرآن ، ويرحلون في
ذلك إلى البلاد ، فإن وجدوا حديثا عنه صلى الله عليه وسلم عملوا به واعتقدوه ،
ولا يقلد أحد منهم أحدا البتة ، فلما جاء أهل العصر الرابع تركوا ذلك كله ،
وعولوا على التقليد الذي ابتدعوه ولم يكن قبلهم ، فاتبع ضعفاء أصحاب أبي حنيفة
أبا حنيفة ، وأصحاب مالك مالكا ، ولم يلتفتوا إلى حديث يخالف قولهما ،
ولا تفقهوا في القرآن والسنن ، ولا بالوا بهما ، إلا من عصمه الله عز وجل
وثبته على ما كان عليه السلف الصالح في الاعصار الثلاثة المحمودة ، من اتباع
السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفقه في القرآن وترك التقليد .
وأما أفاضل أصحاب أبي حنيفة ومالك فما قلدوهما ، فإن خلاف ابن وهب
وأشهب وابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم ، لمالك أشهر من أن يتكلف
إيراده ، وقد خالفه أيضا ابن القاسم ، وكذلك خلاف أبي يوسف وزفر ومحمد
والحسن بن زياد لأبي حنيفة أشهر من أن يتكلف إيراده ، وكذلك خلاف أبي ثور
الاحكام — صفحة 855
مساهمون: ابن حزم
ص٨٥٥