ولا خلاف بين أحد المسلمين أن عمر وعليا وابن مسعود وعائشة . أعلم
من مالك بلا شك ، وليس ذلك يوجب تقليد أحد ممن ذكرنا ، ولا اتباعه
على جميع أقواله ، كما فعلوا هم بمالك ، فبطل تعلقهم بالحديث المذكور لو صح ،
وتأولهم فيه كذب بحت ، لا يحل لاحد نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وما الفرق بينهم في الاقدام وبين الشافعيين لو استحلوا أن يقولوا : إن
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الناس تبع لقريش في هذا الامر برهم لبرهم وفاجرهم
لفاجرهم - إن المراد بهذا هو الشافعي ، لأنه قرشي النسب ، فيجب أن يكون
الناس تبعا له ؟ وبين الداوديين لو أنهم استحلوا فقال : إن قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم : لو أن العلم - أو هذا الدين - بالثريا لتناوله رجل أو رجال من أبناء
فارس المراد بهذا داود وأبو حنيفة ، لأنهما من أبناء فارس ؟ هذا على أن
هذين الحديثين صحيحان لا شك في صحتهما ، وحديث عالم المدينة معلول لا يصح .
فإن قالوا : قد كان في قريش علماء غير الشافعي ، وفي الفرس علماء غير داود
وأبي حنيفة ، قيل لهم : وقد كان بالمدينة علماء غير مالك بلا شك ، وكان هذا
استحلال للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يستجيزه ذو ورع .
قال أبو محمد : وأما احتجاجهم بقول مالك : هذا العمل ببلدنا ، فهذا لا معنى له ،
لان العمل بالمدينة قبل مولد مالك بثلاث وعشرين سنة لم يجز إلا بالظلم والجور
والفسق ، ولا وليهم إلا الفساق من عمال بني مروان ، ثم عمال بني العباس كالحجاج
وحبيش بن دلجة ، وطارق وعبد الرحمن بن الضحاك وغيرهم ممن لا يعتد بهم . وما
أدرك مالك قط بالمدينة بعقله عمل أمير ووال يقتدي به أصلا ، ولقد كان التغيير
بدأ في السنن من قبل ما ذكرنا كقول مروان : ذهب ما هنالك . ودليل
ما ذكرنا تركهم عمل عمر وعثمان في نصوص الموطأ ، فبطل الاحتجاج بالعمل
جملة ، ولا يبق إلا الرواية التي رواها ثقات العلماء عن أمثالهم ، إذ لم يمكن
الاحكام — صفحة 854
مساهمون: ابن حزم
ص٨٥٤