بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض ، ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل .
ويقال لهم : ما الفرق بينكم وبين من قال : لعل الخطاب الوارد إنما خص به
الصحابة دون غيرهم ؟ فكل ما قالوا ههنا فهو مردود عليهم في دعواهم خصوص
بعض ما يقع عليه الخطاب دون بعض .
ويقال لهم : بأي شئ استجزتم قتل من قتلتم من المشركين ، وقطع من قطعتم
من السراق ، وجلدتم من جلدتم من الزناة ، وحد من حددتم من القذفة ، وخصصتموهم
بإيقاع هذه الأحكام عليهم ، دون سائر من يقع عليه اسم زان أو قاتل أو قاذف
أو سارق ، فهل ههنا إلا أنهم سرقوا وقتلوا وزنوا وقذفوا ؟ فهكذا فعل غيركم
ممن أخرجتموه من الخطاب ، وأسقطتم عنه ما حملتم على هؤلاء ، فلأي معنى
خصصتم من أمضيتم عليه الحكم دون من لم تمضوه عليه ؟ فإن قالوا : بدلائل دلت على
ذلك ، لم نأب ذلك ، وقلنا لهم : هذا قولنا ، وحسبنا أننا قد أزلناكم
عن الحكم بالخصوص المجرد الذي هو الافتراء على الله عز وجل في الحكم
عنه تعالى بما لم يأذن به ، وقد رام قوم أن يفرقوا بين الأوامر والاخبار ،
واحتجوا بأنهم مضطرون إلى العمل بالأوامر ، وليست الاخبار كذلك .
وقال علي : وهذا فرق فاسد ، لأننا مضطرون إلى وجوب اعتقاد صحة الاخبار
وإلى الاقرار بها - وهي التي وردت بها النصوص - كما نحن مضطرون إلى العمل
بالأوامر ، ولا فرق ، والاعتقاد الصحيح فعل الله تعالى في النفس والاقرار
بالمعتقد فعل النفس بتحريكها آلات الكلام من اللسان والحنك ومخارج الحروف ،
فلا بد لها من أن تخص بالاقرار بما اعتقدت أو تعم ، وخوف الخطأ في العمل
في الأوامر ، كخوف الخطأ في الاعتقاد للاخبار على ما لا يجوز ، واعتقاد
الباطل لا يجوز ، كما لا يجوز العمل بالباطل فصح أن الاخبار كالأوامر ولا فرق .
واحتج بعض من سلف من القائلين بالعموم على القائلين بالخصوص فقال :
ما تقولون في قوله تعالى : * ( الله وخاتم ) * للنبيين من العرب دون
غيرهم ، أم عموم بنفس اللفظ ؟ فإن قالوا : خصوص كفروا ، وإن قالوا : عموم
بنفس اللفظ ، تركوا لمذهبهم الفاسد ، فإن ادعوا أن ذلك إجماع ، لزمهم أن
لا يقولوا إلا بما أجمع عليه فقط ، وقد قدمنا إفساد هذا القول فإنهم لو قالوا
الاحكام — صفحة 356
مساهمون: ابن حزم
ص٣٥٦