: * ( لأنذر كم ومن بلغ ) * ، ونقطع بأن هذا كله هو الحق عند الله عز وجل لنصه
تعالى ، على أن عليه بيانه فما لم يبين على غير وجهه ، فقد تيقنا على أنه مراد منا
على اقتضاء لفظه ، ولا بد .
قال علي : فهذه اعتراضاتهم كلها قد استوعبناها ونقضناها ، وبينا فسادها كلها
وانعكاسها عليهم من فسادها بحمد الله تعالى ، ونحن الآن شارعون - بتوفيق الله
تعالى لنا وعونه إيانا - في إيراد البراهين على بطلان قولهم ووجوب حمل الألفاظ
على عمومها ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : واحتج من سلف من القائلين بالعموم ، المخالفين في ذلك فقال :
لو كان الخطاب على الوقف أو الخصوص حتى يقوم الدليل على العموم ، لكان ذلك
الدليل لا ينفك ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما ، وإما أن يكون لفظا بخطاب
أو معنى مستخرجا من خطاب ، فإن كان خطابا فالخطاب الثاني كالأول ، ولا فرق
إن كان يدل بنفسه على العموم ، فالأول مثله ، وإن كان الأول لا يدل بنفسه على
أنه على العموم ، فالثاني لا يدل أيضا ، وإن كان معنى مستخرجا من خطاب ، فلا
يجوز أن يكون المعنى المستخرج من الخطاب أقوى من الخطاب الذي منه استخرج
وهذا يقتضي وجوب خطابات لا نهاية لها ، وهذا ممتنع لا سبيل إليه ، ويؤدي
أيضا إلى إبطال فهم كل خطاب أصلا .
وقالوا أيضا : إننا وجدنا في اللغة أسماء للواحد لا تتعداه كزيد وكرجل
من شأنه وصفته فلا يعقل منه أكثر من واحد ، ووجدنا فيها أسماء التثنية لا تقع
على واحد ولا على أكثر من اثنين ، ووجدنا أيضا لفظا للجمع الزائد على
الاثنين ، فكان ذلك واقفا على كل ما يقتضيه الجمع إلا أن يأتي بيان باستثناء
أو بصفة أو بعدد يختص بذلك بعض الجمع دون بعض فتصير إليه .
وقالوا : يقال لمن قال بالخصوص : ما معنى قولكم هذا خصوص ؟ فلا جواب
لهم إلا أن يقولوا هو حمل للاسم على بعض ما يقتضيه دون بعض مثل قوله تعالى : *
( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * فيقولون : هذا على بعض المشركين دون
بعض ، فيقال لهم فبأي شئ استحق عندكم هذا البعض - الذي حملتم اللفظ عليه -
أن يكون محمولا عليه ذلك اللفظ دون سائر من أخرجتم عنه ؟ وما الفرق بينكم
الاحكام — صفحة 353
مساهمون: ابن حزم
ص٣٥٣