تاب عن اتباع إبليس ، وفيمن تساوت حسناته وسيئاته التي اتبع فيها إبليس فجاء
التخصيص كما ترى بعد التأكيد ، فبطل احتجاجهم بالتأكيد ، ولزمهم ألا يحملوا
خطابا على عمومه أبدا ، أكد أو لم يؤكد ، ولزمهم الوقف أبدا وألا ينتفعوا
بتأكيد ولا غيره .
فإن قالوا : إنه يلزمهم إذا ورد الاستثناء ، أن تقرروا بأن ذلك الخطاب أريد
به الخصوص ، قلنا لهم : وكذلك نقول : ولسنا معترضين على ربنا تعالى ، ولا على
نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولا نعلم إلا ما علمنا تعالى ، ولا ننكر صرفهما الألفاظ
عن وجوهها ولا شرعهما الشرائع علينا ، ولا تحريم ما حرما ، ولا تحليل ما حللا ،
ولو أمرانا بقتل آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا لسارعنا إلى ذلك مبادرين ، أو أمسكنا
مقرين بالمعصية غير داعين إلى ضلالة ، ولا مصوبين لذنوبنا ، بل مستغفرين الله
تعالى من ذلك ، راغبين في التوبة .
قال علي : وما أخوفني أن يكون ملقي هاتين النكتتين من القول بالوقف ، في
اتباع الظاهر وفي الوجوب ، وفي العموم وفي الفور ومن القول بصرف الألفاظ
الواردة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى تأويل بلا دليل ، وإلى سقوط الوجوب
بلا دليل ، وإلى الخصوص بلا دليل ، وإلى التراخي بلا دليل كافرا مشركا زنديقا مدلسا
على المسلمين ، ساعيا في إبطال الديانة ، فإن هذه الملة الزهراء الحنيفية السمحة كيدت
من وجوه خمسة ، وبغيت الغوائل من طرق شتى ، ونصبت لها الحبائل من سبل خفية ،
وسعي عليها بالحيل الغامضة ، وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم ، وتسمى
باسمهم ، ودس لهم سم الأساود في الشهد والماء البارد ، فلطف لهم في مخالفة القرآن
والسنة ، فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه ، وبه تعالى نستعيذ من البلاء ،
ونسأله العصمة بمنه ، لا إله إلا هو .
فلتسؤ ظنونكم أيها الناس بمن يحسن لكم مفارقة ظاهر كلام ربكم تعالى ، أو
كلام نبيكم صلى الله عليه وسلم بغير بيان منها ، أو إجماع من جميع الأمة ، وبمن يزين لكم
التأخر عن طاعتها ، ويسهل عليكم ترك الانقياد لهما ، ويقرب لديكم التحكم في
خطابهما ، والفرق بينهما بطاعة بعض ومعصية بعض ، وهذا هو التخصيص الذي
يدعونه بلا دليل ، وبالله نعتصم .
الاحكام — صفحة 358
مساهمون: ابن حزم
ص٣٥٨