وبين من قال : بل اللفظ محمول على الذي أخرجتم عنه أنتم ، وغير محمول على الذين
حملتموه أنتم عليه ، فإن قالوا : الدليل كذا صاروا إلى أن التخصيص إنما كان بدليل
غير حمل اللفظ على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل ، وهذا الامر لا ننكره ،
بل نقول متى قام الدليل على التخصيص صرنا إليه ، وبطل بهذا حمل الاسم على
بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل ، فذلك ما أردنا أن نبين ، وهذا ترك منهم
لمذهبهم الفاسد ، وإن لم يكن بأيديهم إلا الاقتصار على التخصيص لمن خصوا
بلا دليل ، حصلوا على التحكم والدعوى ، وكل دعوى بلا دليل فهي ساقطة ،
وبالله تعالى التوفيق .
احتجوا على القائلين بالوقف فقالوا : هذا القول إلى متى يكون ؟ فإن حدوا
حدا كانوا متحكمين بلا دليل ، وإن قالوا حتى ننظر في دلائل القرآن والسنة ،
سألناهم فقلنا لهم : فإن لم تجدوا دليلا على عموم ولا خصوص ، ولم تجدوا غير اللفظ
الوارد ماذا تصنعون ؟ فإن قالوا : نقف أبدا أقروا بالعصيان ومخالفة الأوامر ،
وأدى قولهم إلى أن الله يبين مراده ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم
يبين ولم يبلغ وهذا كفر .
وإن قالوا : إن لم نجد دليل على الخصوص صرنا إلى العموم ، فقد رجعوا
إلى ما نكروا ، وأقروا بأنهم إنما حملوا الكلام على العموم بصيغته ولفظه ، وبعدم
الدليل على الخصوص ، وهذا هو نفس قولنا الذي أبوه أولا عادوا إليه من قريب ،
فإن قال قائل : إن هذا لا يوجد لزمهم السؤال الذي سألنا به أولا من قولنا
لهم : هل يخلو الدليل من أن يكون لفظا آخر ، أو معنى مستخرجا من لفظ ؟
وألزمهم إيقاظ التفاهم أبدا ، وأيضا فإن ذلك موجود وقد قال تعالى : * ( إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ولم تؤكد بشئ أصلا وهذا عندهم محمول
على عمومه ، وقد قال تعالى : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء . ولم يأت
بتوكيد زائد فحملوه على عمومه دون دليل غيره وارد اللفظ فقط ، ومثل هذا
كثير جدا ، بل هو الأكثر في القرآن والسنة ، وإنما ادعوا الخصوص في مسائل
يسيرة ، وليس هذا مكان احتجاجهم بقرينة الوعيد ، لأننا إنما نكلمهم في عموم
كل ما اقتضاه اللفظ لا في الوجوب .
الاحكام — صفحة 354
مساهمون: ابن حزم
ص٣٥٤