فإنه يقال لهم : أبنص صح عندكم هذا القول أم بإجماع ؟ فإن قالوا : بنص ، أو
ذكروا دليلا ما ، كذبوا ، وادعوا ما لا يجدون أبدا ، وكانوا مع كذبهم قد تركوا
قولهم بألا يقولوا إلا بما أجمع عليه ، لأنهم يقولون بالنص ، وإن خالف
الاجماع ، وإن قالوا : قلنا ذلك بإجماع كذبوا وجاهروا . وبالجملة فهذا مذهب
لم يخلق له معتقد قط ، وهو ألا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الاجماع ،
بل قد أصبح الاجماع على أن قائل هذا القول معتقدا له كافل بلا خوف لرفضه
القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها .
قال علي : وقالوا أيضا : إن على المراد بالكلام دلائل تدل على الرضا والسخط ،
من تغيير اللون ، وحدة الأمر والنجه والبشر . قيل لهم وبالله تعالى التوفيق :
ليس هذا مما نحن فيه ، ولا كون هذه الأحوال مما يمنع من إخراج الامر على
العموم ، ثم نعكس عليهم هذا في قولهم بالخصوص والوقف فيلزمهم الوقف
إلى أن يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وفي هذا إبطال الدين والخروج عن
الاسلام ، وتشبه هذه التساؤلات أن تكون سؤالات ملحد جاهل قليل الحياء .
وقالوا أيضا : إنكم اعتقدتم العموم فيما أراد الله تعالى به الخصوص ، فقد
خالفتموه عز وجل ، قيل لهم وأنتم إن أردتم الخصوص فيما أراد الله تبارك
وتعالى العموم ، فقد خالفتموه عز وجل ، وإن اعتقدتم الوقف فيها حكم الله تعالى
فيه بما حكم ، من عموم أو خصوص - فلا بد من أحدهما - فقد خالفتم الله
عز وجل بيقين لا شك فيه ، ولا شك في أن الله تعالى لم يرد قط في شئ من
أحكامه وقفا ، بل أنفذ تعالى الحكم بما أنفذ .
وأيضا فنحن قاطعون على أن كل أمر لم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على
عمومه ، فهو على عمومه بلا شك ولا مرية ، نقطع على ذلك عند الله عز وجل ،
ونقطع أيضا بأن كل من بلغه العموم ولم يبلغه الخصوص ، أو بلغه المنسوخ ولم
يبلغه الناسخ ، فإن الله تعالى لم يلزمه قط إلا ما بلغه لا ما لم يبلغه ، قال تعالى
الاحكام — صفحة 352
مساهمون: ابن حزم
ص٣٥٢