وأيضا فإن هذا من سؤالات اليهود إذ قالوا : قد وافقتمونا على نبوة موسى
عليه السلام ، وخالفناكم في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا سؤال فاسد ،
لان الدلائل التي أوجبت تصديق موسى عليه السلام ، هي التي أوجبت تصديق
محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يجب بها تصديق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يجب بها تصديق نبوة
موسى عليه السلام ، وكذلك الدلائل التي دلت على حمل لفظ الخصوص على
الخصوص التي دلت على حمل العموم على العمل ، والدلائل التي دلت على
حمله اللفظ على ذلك البعض وافقتمونا عليه : هي التي دلت حمله على
سائره الذي خالفتمونا فيه ، ولا فرق . وأيضا ،
فإنهم مناقضون لهذا القول ، لأنه كان يلزمهم على ذلك ألا يقتلوا مشركا إلا
مشركا اتفقوا على قتله ، وهم لا يفعلون ، لان قائل هذا إن كان
مالكيا فقد ناقض ، لأنه لم يقتل المرأة المرتدة ، ولم يتفق على قتلها ، ويقتل
ولد المرتد الحادث له الردة إذا بلغ ولم يسلم ، وابن ابنه كذلك ، ولم يتفق على
قتلهم ، ويقتل المشرك إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتفق على قتله ،
وإن كان شافعيا ، فكذلك أيضا . ويقتل - زائدا على من ذكرنا - من
خرج من اليهودية إلى النصرانية ، ومن خرج من النصرانية إلى اليهودية إلا أن
يسلم ، وإن كان حنفيا ، فهم يقتلون المسلم المختلف في قتله ، إذا قتل كافرا ،
بعموم قوله تعالى : * ( النفس بالنفس ) * وأن من تورع عن قتل كافر قد أباح
الله تعالى قتله ، وجاء النص بقتله ، وأقدم على قتل مسلم قد حرم الله دمه عموما
وخصوصا بعموم آية لم نخاطب بها ، ولا ألزمنا الحكم بما فيها ، لعظيم
الجرم قليل الورع مقدم على أكبر الكبائر ، وبالله تعالى التوفيق .
وكذلك إن قال : لا أقطع إلا سارقا اتفق على قطعه ، فهم أيضا ينكرون
ذلك لأنهم نعني المالكيين - يقطعون في أقل من عشرة دراهم ، وليس متفقا
عليه ، ويقطعون في الزرنيخ والنورة والفاكهة واللحم ، وليس القطع في ذلك
إجماعا ، والحنفيون يقطعون من سرق شيئا مغصوبا من مال الغاصب ، وليس
قطعهم إجماعا ، ويلزمهم بهذا القول إلا يقولوا إلا بما أجمع عليه .
قال علي : وهم لا يفعلون ذلك البتة ، فقد أفسدوا دليلهم وبالله تعالى التوفيق ،
الاحكام — صفحة 351
مساهمون: ابن حزم
ص٣٥١