ولا بد أيضا من لفظ يحضر به عن بعض ما تحت الجنس ، ليفهم المخاطب بذلك
ما يريد ، ومبطل هذا مبطل للعيان ، جاحد للضرورات .
وسألوا أيضا فقالوا : إن كان قولكم بالعموم والظاهر حقا ، فما قولكم فيمن
سمع آية قطع يد السارق ، وآية جلد الزناة ، وآية تحريم المرضعات لنا ، والراضعات
معنا ، ولم يسمع أحاديث التخصيص لكل ذلك ، ولا آية التخصيص للإماء ،
أتأمرونه بقطع يد من سرق فلسا من ذهب ، وبجلد الأمة والعبد مائة مائة إذا زنيا ،
وتحرمون من أرضعت رضعتين ، وتقولون إنه مأمور من عند الله تعالى بذلك ؟
فلزمكم القول بأنه مأمور بما لم يأمر به ، والقول بأنه مأمور بالباطل أو تأمرونه بأن
لا ينفذ شيئا من ذلك حتى يطلب الدليل فيتركون القول العموم بالظاهر .
قال علي : فنقول ، وبالله تعالى التوفيق : إن الله تعالى لم يأمر قط بقطع سارق
أقل من ربع دينار ذهبا ولا حرم قط من أرضعت أقل من خمس رضعات ،
ولا أمر قط بجلد العبد والأمة أكثر من خمسين ، لان الرسول عليه السلام قد بين
كل ذلك وكلامه عليه السلام وكلام ربه سواء ، في أنه كله وحي ، وفي أنه كله
لازمة طاعته ، فالآيات التي ذكروا ، والأحاديث المبينة ، لها مضموم كل ذلك
بعضه إلى بعض غير مفصول منه شئ عن آخر ، بل هو كله كآية واحدة أو كلمة
واحدة ، ولا يجوز لاحد أن يأخذ ببعض النص الوارد دون بعض ، وهذه
النصوص وإن فرقت في التلاوة فالتلاوة غير الحكم ، ولم تفرق في الحكم قط ،
بل بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع ورود الآي معا ، ولا يفرق بين قوله تعالى
: * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * مع قوله عليه السلام : لا قطع في أقل من
ربع دينار فصاعدا وبين قوله تعالى : * ( ألف سنة إلا خمسين عاما ) *
. وكذلك لا فرق بين قوله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) * وبين نزول خمس
رضعات محرمات ناسخة لعشر محرمات ، وبين قول القائل : لا إله إلا الله ، فلا
يجوز أن يفصل شئ من ذلك في الحكم عن بيانه ، كما لا يحل لاحد أن يأخذ القائل
لا إله إلا الله في بعض كلامه دون بعض ، فيقضي عليه بقوله : لا إله بالكفر ،
لكن نضم كلامه كله بعضه إلى بعض فنأخذه بكلامه
وكذلك إذا نزلت الآية المجملة أتى بعقبها الأحاديث المفسرات فكان ذلك
الاحكام — صفحة 348
مساهمون: ابن حزم
ص٣٤٨