رسول الله صلى الله عليه وسلم اللفظ الوارد بأو على التخيير ، فلما جاء النهي
المجرد حمله على الوجوب ، وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير
والندب ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى .
فإن قال قائل : فما كان مراد الله بالتخيير ، الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على
التخيير ، وبذكره تعالى السبعين مرة ، أتقولون : إنه أراد تعالى ما قال عمر بن
الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة ؟ .
فالجواب : أننا وبالله تعالى التوفيق ، لا نقول ذلك ، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ،
ولا نقول إن عمر ، ولا أحدا من ولد آدم عليه السلام فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه
عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول عندنا كفر مجرد ، وبرهان ذلك أن الله
تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي ، لما أقره عليها ، ولا نزل الوحي
عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمر
كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجر عمر
في ذلك أجرا واحدا ، لكنا نقول : إنه عز وجل خير نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك على
الحقيقة ، فكان مباحا له صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك .
وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما
زاد على السبعين ، ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين ،
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر
لهم ، ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة ، وهذا هو نفس قولنا بعينه ، فلما
أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل ، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه
حينئذ نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت ، أن
ما زاد على السبعين غير مقبول ، فدعا راج لم ييأس من المغفرة ، ولا أيقن
بها ، وهذا بين في لفظ الحديث ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد سألت بريرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لها : لو راجعتيه يعني النبي صلى الله عليه وسلم
زوجها مغيثا - فقالت : أتأمرني يا رسول الله ، فقال : لا ، إنما أشفع ففرق صلى الله عليه وسلم
كما ترى بين أمره وشفاعته ، فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع
فيه عليه السلام ، وأن أمره بخلاف ذلك : وليس فيه إلا الايجاب فقط .
الاحكام — صفحة 274
مساهمون: ابن حزم
ص٢٧٤