التأويل وقال تعالى : * ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) * وقال تعالى : * ( أنزلنا
إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص
كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قالوا : فإنكم تحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب ، فقد
نقضتم هذا الحكم . لهم وبالله تعالى التوفيق : ما فعلنا ما تقولون من النقض ،
لأننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى ، حملناه أيضا على وجوبه ، فإذا
نص ربنا عز وجل في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا تركنا ، فقد أوجب
علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة ، فلم نخرج عن أصلنا ، ولم يكن لنا خيرة
في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط ، كما أنه تعالى أو نبيه صلى الله عليه وسلم
إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه ، فلا خيرة لنا في صرفه عن
أمره الذي اقتصر عليه ، فكل أمر مفرد فواجب علينا حمله على انفراده ، وكل
أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير ، فالقبول فرض علينا لما يرد من الألفاظ
على ظواهرها ، ولا خيرة لنا في شئ من ذلك ، والاجماع إذا صح على حمل آية
أو خبر على التخيير ، فقد أيقنا أن أصل الاجماع توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى .
قال علي : أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة
الصدقات يقول : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم
وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فرضية من الله ) * فيقول : ليس
ذلك فريضة ، وجائز للامام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر ، أو إلى بعض
هذه الأصناف ، ثم يأتي إلى قول ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
صدقة الفطر على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى ، صغير أو كبير ، صاعا من تمر
أو صاعا من شعير ، فيقول : ليس صدقة الفطر فريضة ، ولا الشعير ولا التمر فيها
أيضا فرضا ، ولا مستحبا ، بل البر الذي لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم أفضل .
ثم يأتي إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ههنا معنا ، وقد وقف قبل ذلك
بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال : لا تخيير في ذلك ، والفرض الوقوف ليلا
ولا بد ، وإلا بطل الحج .
الاحكام — صفحة 276
مساهمون: ابن حزم
ص٢٧٦