ويقول في قول الله تعالى : * ( انفضوا إليها وتركوك قائما ) * ، إنه يفهم منه أن خطبة
الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها .
وأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام ، موجب أن يكون الصوم
في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به . أيكون في عكس الحقائق
ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية ، ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا ؟ .
وقال تعالى : * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فان توليتم فاعلموا
انما على رسولنا البلاغ المبين ) * .
قال علي : فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى : * ( واحذروا ) * مقرونا بمخالفة الطاعة ،
فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول ، ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك
ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه .
وقال تعالى : * ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم
في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) * فصح بالنص كما ترى
أن كل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معروف ، وكل ما نهى عنه فهو منكر
عن المعروف ، فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منافق ،
وكل من قال في قوله تعالى افعل . فقال هو لا تفعل إن شئت ، فقد أباح تركه
والنهي عنه نصا .
وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى : * ( ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) * .
قال علي : ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن ،
وبنص تسمية الله عز وجل له ، فقد نصصنا كلام الله تعالى ، وكلام نبيه
صلى الله عليه وسلم في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا ، وبطل بذلك قول من قال
على الندب أو الوقف .
قال علي : وقد فرق قوم بين أوامر الله عز وجل ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ،
وهذا بين الفساد ، فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله : * ( من يطع الرسول فقد أطاع
الله ) * إن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم
الجمعة فرضا ، فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله عز وجل : * ( وإذا رأوا
الاحكام — صفحة 277
مساهمون: ابن حزم
ص٢٧٧