بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه
طائعين ، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد أولى بالتأويل
- في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا . ومن الباطل المحال أن
يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا
لا يقوله مسلم ، فبطل ما ظنوه .
وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع
التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني ، عن أحمد بن شعيب النسائي ، ثنا محمد بن عبد الله
بن المبارك ، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي
وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب
بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير
بن حرب . ثنا يزيد بن هارون ، قال علي : واللفظ لفظ المغيرة ، قال المغيرة ويزيد :
ثنا الربيع بن مسلم ، ثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الناس فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال : أفي كل عام ؟
فسكت عنه ، حتى أعاده ثلاثا . فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ،
ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم
فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه .
وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نفعل ما أمر به
ما نستطيع ، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
- أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح ، والأعرج ،
وهمام بن منبه ومحمد بن زياد ، كلهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن
همام معمر ، ورواه عن الأعرج أبو الزناد ، ورواه عن أبي صالح الأعمش ، ورواه
عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة الزهري ، ورواه عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة
مسندا أيضا شعبة ، والربيع بن مسلم ، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر .
قال علي : فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر
به فهو واجب ، حتى لو لم يقدر عليه . وهذا معنى قوله تعالى : ولو شاء الله
الاحكام — صفحة 272
مساهمون: ابن حزم
ص٢٧٢