فصل من العموم
قال علي : العموم قسمان : منه مفسر ، ومنه مجمل ، فالمجمل هو الذي لا يفهم
من ظاهره معناه ، والمفسر قد ذكرناه ، وأما المجمل فلا بد من طلب المراد فيه من
أحد موضعين : إما من نص آخر ، وإما من إجماع ، فإذا وجدنا تفسير تلك الكلمة
في نص آخر قلنا به وصرنا إليه ، ولم نبال من خالفنا فيه ولا استوحشنا منه
كثروا أو قلوا صغروا أو جلوا ، ولم نتكثر بمن وافقنا فيه كائنا من كان من قديم
أو حديث أو قليل أو كثير ، وليس ممن كان معه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قلة ، ولا ذلة
ولا وحشة إلى أحد ، ولا فاقة إلى وفور عدد ، فإذا لم نجد نصا آخر نفسر هذا
المجمل ، وجب علينا ضرورة فرض طلب المراد من ذلك المجمل في الاجماع
المتيقن المنقول عن جميع علماء الأمة - الذين قال تعالى فيهم : * ( يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * - وكيفية العمل في ذلك أن نأخذ
بما أجمعوا عليه من المراد بمعنى ذلك المجمل ، ونترك ما اختلفوا فيه ، فهذا هو
حقيقة ما أمرنا به من الاخذ بالاجماع ، وترك كل قول لم يقم عليه دليل . وهذا
الذي نسميه استصحاب الحال ، وأقل ما قيل .
فإن قال قائل : إن هذان اسمان مختلفان في المعنى ، فما الفرق بينهما ؟ ولم صرتم
إلى أحدهما في بعض الأمكنة ؟ وإلى الآخر في أمكنة أخرى ، وما حد المواضع التي
تأخذوا فيها باستصحاب الحال ، وما حد المواضع التي تأخذون فيها بأقل ما قيل
وأنتم تسمون فعلكم في كلا الموضعين اتباعا للاجماع ، وإجماعا صحيحا ، وأنتم
لا تسمون من أنفسكم بإجمال لا تستطيعون تفسيره ، وتعيبون بذلك أصحاب
القياس أشد عيب قيل له ، وبالله تعالى التوفيق . صدقت في صفتك وأحسنت في
سؤالك ، والجواب عما سألت عنه ، إن الذي عملنا فيه بأن سميناه أقل ما قيل ،
فإنما ذلك في حكم أوجب غرامة مال أو عملا بعدد لم يأت في بيان مقدار ذلك
نص ، فوجب فرضا ألا نحكم على أحد لم يرد ناقض في الحكم عليه إلا بإجماع
على الحكم عليه ، وكان العدد الذي قد اتفقوا على وجوبه وقد صح الاجماع في الحكم
به ، وكان ما زاد على ذلك قولا بلا دليل ، لا من نص ولا إجماع ، فحرام على كل
الاحكام — صفحة 385
مساهمون: ابن حزم
ص٣٨٥