فصل في مسائل من العموم والخصوص
قال علي : ومما تناقض فيه القائلون بتخصيص النصوص بالقياس : أن قالوا
بعموم قوله تعالى : * ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن
أربعة أشهر وعشرا ) * فقالوا : المدخول بها وغير المدخول بها سواء ، ولم يقيسوا
غير المدخول بها في الوفاة على غير المدخول بها في الطلاق ، كما قاس بعضهم
الاحداد على المطلقة ثلاثا ، على الاحداد على المتوفى عنها زوجها ، فإن كان
القياس حقا فليستعملوه في كل مشتبهين ، وإن كان باطلا فليجتنبوه .
قال : ومما خص بالاجماع قوله تعالى : * ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ
الأنثيين ) * فخص بنص السنة العبد بأنه لا يرث وخصت السنة أيضا الكافر بأنه
لا يرث المسلم ، ولا المسلم الكافر . وقال تعالى : * ( ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به
ولكن ما تعمدت قلوبكم ) * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رفع عن أمتي
الخطأ والنسيان فخص
الكتاب قائل الخطأ بوجوب الكفارة عليه ، وخص
الاجماع المنقول من أحدث ناسيا أنه منتقض الوضوء ، وقد ادعى قوم أن حد
العبد مخصوص بالقياس على حد الأمة .
قال علي : وقد أفكوا في ذلك ، بل جاء النص بأن حد العبد مخالف لحد الحر
في حديث دية المكاتب من طريق علي رضي الله عنه ، وابن عباس رضي الله عنهما
وقالوا أيضا في قوله تعالى : * ( فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ) * أنه خص منها
جزاء الصيد في أنه لا يؤكل منه بالاجماع ، وهدي المتعة قيس عليه .
قال علي : هذا خطأ ، إنما أمر تعالى بالاكل من التطوع ما لم يعطب قبل محله ، وأما كل
هدي واجب فقد قال تعالى : * ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون
تجارة عن تراض منكم ) * فلما كانت هذه الواجبات كلها مأمورا بإخراجها من
أموالنا ، وكان ذلك مسقطا لملكنا عنها كانت قد انتقلت إما إلى ملك المساكين
، وإما إلى ملك الله عز وجل ، لا بد من أحد الوجهين المذكورين ، وما خرج عن
ملكنا فلا يحل لنا أن ننصرف فيه إلا بنص مبيح أو إجماع والعجب من حملهم
أمر الله تعالى بالاكل منها والاطعام ، على أن ذلك غير واجب ، ثم أرادوا أن
الاحكام — صفحة 383
مساهمون: ابن حزم
ص٣٨٣