قبولها بالنص ، وليس في أكثر من ذلك حد ووقف عنده فيقول القائل : هو
أكثر ما قيل ، فلو لم يكن ههنا حد يوقف عنده لما وقع عقد ذمته أبدا ، لأنهم
كانوا يكونوا إنما بذلوا شيئا طلب منهم أكثر ، وهذا لا نهاية له ، وليس من
حد حدا بأولى ممن حد حدا آخر ، فهذا لا ينضبط أبدا ، فصح أن الحد الأول
هو الواجب أخذه وهو الدينار إذا بذلوه ولم يطيقوا أكثر منه ، وليس في النص
لاخذ أكثر من الدينار ممن أطاقه ، وبالله تعالى التوفيق .
وأما زكاة البقر فقد قدمنا ذكر خبر معاذ رضي الله عنه ، وأن مسروقا أدركه
وحضر حكمه وشاهده ، هذا ما لا شك فيه ، ولم يكن أخذ زكاة البقر من عمل
معاذ نادرا ولا خفيا ، بل كان فاشيا ظاهرا معلنا مرددا كل عام كثيرا ، فهذا
غاية صحة النقل الموجب للعلم والعمل ، وكذلك عمله ونقله في الجزية فصح أن زكاة
البقر والجزية مسندان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق معاذ .
وأما عدد الجزية ومقدارها فقد ذكرناه آنفا ، فهو اللازم إلا أن يتفقوا
معنا باختيارهم على أكثر ، أو يتملكوا دون عهد فيلزموا ما يطيقون ، ويحرم
بذلك دماؤهم ، وسبيهم . وأما الصغار عليهم ، فإن النص قد ورد بإلزامه إياهم ، فكل
ما وقع عليه اسم صغار فنحن نأتيه فيهم ، إلا ما منعنا منه نص أو إجماع فقط
، ولذلك أبحنا دماءهم إن ركبوا فرسا أو حملوا سلاحا أو تكنوا بكنى المسلمين
، أو تشبهوا بهم أو سبوا مسلما أو أهانوه أو خالفوا شيئا من الشروط التي قد
جمعناها في كتا ب ذي القواعد ، لأنه عموم واجب أخذه كله وحمله على كل
ما اقتضاه اسمه ، وهذا بخلاف ما جاء عن المسلمين ، فإن المسلمين قد جاء النص
فيهم بتحريم دمائهم وأموالهم وأعراضهم والاضرار بهم ، وأوجب الله علينا
كرامة كل مسلم بنهينا عن التحاسد والتنازع ، وأن يحقر أحدنا أخاه المسلم
، وأمرنا بالتزاحم والتعاطف وهذا بخلاف ما أمرنا به في المشركين ، فلا يحل
من مال مسلم ولا من عرضه ولا من دمه ولا من أذاه إلا ما صح بإيجابه
، فلذلك قلنا في الدية المأخوذة من المسلمين بأقل ما قيل .
ولما صح تحريم أموال أهل الذمة بالجزية المتفق على قبولها ، وجب أيضا
ألا نحكم عليهم بعد تيقنا تحريم دمائهم وأموالهم ، وسبيهم ، إلا بأقل ما قيل
الاحكام — صفحة 387
مساهمون: ابن حزم
ص٣٨٧