عليهم ، واستصحابا للحال التي قد تيقنا وجوبها علينا فيهم ، وإنما حرم بعد الجزية
مال الذمي استصحابا للحال التي قد تيقنا وجوبها عليهم فيها ، فلذلك لم نقل أيضا
في الدية المأخوذة منهم في قتل بعضهم بعضا إلا بأقل ما قيل وذلك ثلثا عشر
دية المسلم إما ثمانمائة درهم ، وإما ستة أبعرة وثلثا بعير ، ما لم ينقضوا ذمتهم
فيعودوا بنقضها إلى ما كانوا عليه قبل الذمة بالاجماع والنص وبالله التوفيق .
وأما قوله تعالى : * ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) * فقد بين ذلك نص عن النبي
صلى الله عليه وسلم جلي . وأما قوله تعالى : * ( فإطعام ستين مسكينا ) * فإننا صرنا
في تفسير مقدار هذا الاطعام إلى نص ورد في الواطئ خاصة ، وصرنا في كفارة
الظهار إلى أقل ما قيل في ذلك ، وهو موافق للنص الوارد في كفارة الواطئ
. وأما قوله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة ) * فإننا صرنا في ذلك إلى بيان
نصوص وردت في ذلك ، وتركنا ما لم يأت فيه نص من الأموال ، فلم نأخذ منه
شيئا ، لما ذكرنا من تحريم أخذ مال مسلم بغير طيب نفسه ، فحرم أن يؤخذ من
مال مسلم شئ أصلا إلا بنص بين جلي أو إجماع ، لان قوله تعالى : * ( خذ من
أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) * هو مستثنى من جملة تحريم أموالهم ، فلا
يخرج من ذلك النص الأكثر الأعم إلا ما بينه نص أو إجماع
. وأما قوله تعالى : * ( فمتعوهن ) * فإنما نأخذ في مقدار متعة المطلقة بما أوجبه
البرهان قبل ، استصحابا لما قلنا من تحريم مال المسلم جملة .
وأما قوله : * ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) * فإنا لا نجبر السيد على قبول
أقل من قيمة المكاتب ، ولا نجبر المكاتب على أكثر مما يطيق ، لاجماع القائلين
بإيجاب ذلك - وهم أهل الحق - على إيجاب المقدار الذي ذكرناه .
وأما قوله تعالى : * ( أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) * فإنا صرنا
في ذلك إلى مقتضى ظاهر الآية على ما بيناه في كتابنا في المسائل ، لان الأصل ما قد
ذكرنا من تحريم مال المسلم جملة ، ومن أنه لا يحل لاحد أن يفرض شريعة على
أحد لا من صيام ولا من غيره إلا ما أوجبه نص ، وأما قوله عليه السلام :
ما من صاحب إبل وما من صاحب غنم ، وما من صاحب بقر ، وما من صاحب
ذهب فإنا صرنا في بيان مقدار الإبل والغنم والبقر المأخوذ منها ومقدار
الاحكام — صفحة 388
مساهمون: ابن حزم
ص٣٨٨