في أنهم حملوا قوله تعالى : * ( انما المشركون نس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد
عامهم هذا ) * على الكتابي كما حملوه على الوثني . وإن كان حنفيا تناقض في حمله قوله
تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * الآية على الكتابي كحملهم إياها على
الوثني ، وبرهان ذلك قبولهم إسلامهم إن أسلم ، وليس في آية حرب أهل الكتاب
إلا * ( حتى يعطوا الجزية ) * فقط . وبالله التوفيق .
ومما احتج به عيسى بن أبان في قوله : إن النص إذا خص منه شئ وجب حمل
سائره على الخصوص - أن قال : إن ذلك مثل شاهدين جرحا بقصة ما ، فوجب
على سائر شهادتهما في كل شئ
قال علي بن أحمد : وهذا القول فمع ما فيه من الاضطراب وتشبيهه بشئ
لا يشبهه ، إقدام عظيم على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولو
كان القياس حقا - وقد أعاذ الله تعالى من ذلك - لكان هذا القياس أحمق قياس
في الأرض ، فكيف والقياس كله باطل . ولله تعالى الحمد .
فيقال لعيسى : ليت شعري ما الذي شبه كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم
الذي ألزمنا الله تعالى توقيره والطاعة له ، وحرم علينا معصيته - بكلام فاسقين
قد ثبت جرحتهما ، وقد أمرنا تعالى ألا نقبل خبرهما . بل لقائل هذا القول
المردود مثل السوء ، ولله تعالى ولرسوله المثل الاعلى ، وهلا قال إذ لم يوفقه الله
تعالى لقبول الحق : إن النص الذي خص بعضه بمنزلة شاهدين عدلين شهدا لأبيهما
فلم يقبلا على مذهبه الفاسد ، فلا يكون ذلك موجبا لرد شهادتهما في سائر ما شهدا
به لغير أبيهما ، فهذا قياس أصح من قياسه لو كان القياس حقا ، فكيف والقياس
باطل كله فاسد ، إلا أن الذي علمناهم أمثل لأننا مأمورون بقبول شهادة العدلين
كما نحن مأمورون بقبول النص الوارد من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم
والعمل به ؟ فإذا سقط عنا قبول ما شهدا به لدليل قام على ذلك في بعض
المواضع ، لم يوجب ذلك سقوط سائر شهادتهما في سائر المواضع ، وكذلك النص
اللازم لنا قبوله إذا قام دليل على سقوط بعضه في بعض المواضع لم يكن ذلك
موجبا لسقوط باقيه وسائره . فهذا أشبه مما قال ، لان الجرح الذي نظر به
مسقط العدالة بالجملة ، وليس خصوص النص بمسقط للعمل به جملة .
الاحكام — صفحة 380
مساهمون: ابن حزم
ص٣٨٠