ولو شبه الشاهد المجرح عدالته بالمنسوخ من الملك والشرائع فأوجب بذلك
سقوط جميعها عنا ، لكان أدخل في التمويه ، وألطف في التشبيه ، ولكنهم مع
قولهم بالقياس وتركهم له كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإنك تجدهم أجهل
الخلق بترتيب باطلهم ، وأشدهم اضطرابا فيه وهكذا يكون ما كان من عند غير
الله . ولله الحمد على ما وفق بمنه .
قال علي : ونسي عيسى نفسه إذ قال بما ذكرنا ، من أن النص إذا خص بعضه
لم يؤخذ من باقيه إلا ما اتفق على الاخذ به منه ، فهلا تذكر على هذا الأصل إذ
قال - في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء - إن المرتدة لا تقتل ، وهذا نص قد خص
منه الزانية المحصنة والقاتلة ، فهلا أسقط أيضا منه المرتدة ، ولم يأخذ منه إلا
ما اتفق عليه من المنع من قتل الحربيات المأسورات ، ولكن القوم إنما هم
ناصرون لما حضرهم من مسائلهم لا يبالون بما أصلوا في ذلك ، ولا بما احتجوا ،
ولا يستحيون من نقضه بعد ساعة ، وإبطاله بأصل مضاد للأصل الأول على
حسب ما يرد عليهم من المسائل كل ذلك طاعة لمالك وأبو حنيفة وأبي يوسف
ومحمد بن الحسن ، وقلة مبالاة لمخالفة القرآن وترك كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وبالله تعالى
نستعين من الخذلان ، ونسأل المزيد من التوفيق
. قال علي : ولا فرق بين تخصيص بعض آية أو حديث - لم يرد في ذلك البعض
تخصيص ، لكن لأنه قد خص بعض آخر منهما - وبين من أراد من ذلك أن يخص
كل آية وكل حديث ، لأنه قد وجد آيات مخصوصات وأحاديث مخصوصة ،
وكل هذا تحكم بلا دليل ، أو بدليل فاسد . وفي هذا إبطال الشريعة ، ومن
استجاز ما ذكرنا وصوبه ، لزمه أن يقول بنسخ كل آية ، لأنه قد وردت آيات
منسوخات . وهذا يخرج إلى إبطال الاسلام ، ويقال لهم : ما الفرق بينكم وبين
من خص سورة بكمالها أو قال بنسخ كل ما فيها ، لأنه وجد بعضها منسوخا
ومخصوصا . وهذا ما لا يقولونه وهو موجب قولهم الفاسد .
قال علي : واحتج بعض من ذهب هذا المذهب فقال : من حلف أن هذه
الآية أو الحديث مخصوصا فيما قد قام الدليل على تخصيص بعضهما لم يحنث .
الاحكام — صفحة 381
مساهمون: ابن حزم
ص٣٨١