فإنما أباح المحصنات الكتابيات بشرط إيتائهن الأجور ، وإيتاؤهن الأجور
لا يكون إلا في الزواج لا في ملك اليمين ، وهذا مالا شك فيه عند أحد ، فبطل
أن يكون المراد بالإباحة المذكورة الإماء الكتابيات ، فبقين على أصل التحريم .
ولو أننا رضينا لأنفسنا من الحجة بنحو ما يرضون به لأنفسهم لقلنا لهم :
إن قوله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * إنما قصد به الإماء لقوله
تعالى في أثر ذلك : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * ولكنا في ذلك
نبين بأقوى مما يحتاجون به في أكثر مسائلهم : مثل احتجاجهم في إيجاب الخطبة
بقوله تعالى : * ( وتركوك قائما ) * ومثل احتجاجهم في عتق الأخ بقوله تعالى : * ( لا أملك
إلا نفسي وأخي ) * ومثل احتجاجهم في المنع من النفخ في الصلاة بقوله تعالى :
* ( ولا تقل لهما أف ) * ومثل احتجاجهم في القسامة ببقرة بني إسرائيل .
ومثل هذا من التمويه البارد الفاسد الداخل في حدود هذيان المبرسمين ،
ولكن الله عز وجل قد أغنانا بالنصوص الظاهرة التي لا مجال للتأويل فيها ، وبنصره تعالى
لنا عن تكلف بنيات الطرق ، وادعاء ما لا يصح ، ومن أمكنته السيوف لم يفتقر
إلى المحاربة بحطام التبن ، ولا سيما من قال منهم : إن النص إذا خص بعضه
لم يؤخذ من باقيه إلا ما أجمع عليه ، فإنه يقال له في هذا المكان : إباحة ملك
اليمين قد خرج منه بالنص بالاجماع أشياء كثيرة فمنها الذكور والبهائم ، والام
من الرضاع والأخت من الرضاع ، وكل حريمة بصهر ورضاع ، وكل حائض ،
وكل صائمة فرض ، وأخرجت أنت منه الأختين والام والابنة والعمة
والخالة ، فيلزمك ألا تبيح مما بقي إلا ما اتفق عليه ، ولم يتفق على إباحة الأمة
الكتابية بملك اليمين ، ولا جاء بها نص . فواجب عليك القول بتحريمها .
ويقول لسائرهم : أنتم أهل القياس فقيسوا ما اختلفنا فيه من وطئ الأمة
الكتابية بملك اليمين على ما اتفقنا عليه من تحريم الأختين بملك اليمين ، وسائر ما ذكرنا ،
ويقال للمالكيين منهم : أنتم تدخلون التحريم بأدق سبب ولا تدخلون التحليل إلا
بأبين وجه ، فحرموا الوطئ للأمة الكتابية ، إذ لا سبب معكم في تحليلها لا دقيق
ولا جليل ، ولكم في تحريمها أبين سبب فإن ادعوا إجماعا أكذبهم ابن عمر ، فقد
الاحكام — صفحة 378
مساهمون: ابن حزم
ص٣٧٨