وجوبه بما شككنا في إباحته ، ونحن إذا لم نخرج منه إلا ما جاء نص جلي ،
أو إجماع بإخراجه منه ، كنا قد علمنا بما تيقنا لزومه لنا من النص المبيح
للوطئ ، وعلمنا أيضا بما تيقنا وجوبه من النص الذي فيه التحريم ، إذ
في استعمالنا ما في آية إباحة الوطئ كله رجوع إلى الأصل الأول الذي فيه إباحة
كل ما في الأرض ، وترك ما قد لزم إخراجه منه بيقين .
فلو فعلنا ذلك لكنا متناقضين ، لأنها ثلاثة نصوص كما ترى : نص عام ،
ثم آخر دونهما في العموم ثم ثالث دونهم معا في العموم .
فإن قال قائل : بل نأخذ بالنص الأخص قلنا له وبالله التوفيق : إنك إن
فعلت ذلك رجعت إلى قولنا ، لأننا نوجد لا نصا أخص من النص الذي فيه
إباحة الوطئ فيلزمك أن تغلب هذا الأخص الذي هو نص رابع ، وإلا نقضت
قولك ، وهو قول الله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * والمشركات
من الكتابيات هن بعض من تملك أيماننا ، وكذلك الأختان إذ ملكناهما .
وأما أصحابنا القياسيون فتناقضوا تناقضا فاحشا ظاهر الخطأ ، لأنهم عمدوا
إلى قوله عز وجل : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * إلى قوله تعالى : * ( وان
تجمعوا بين الأختين الا ما قد سلف ) * وإلى قوله سبحانه وتعالى : * ( وأمهات نسائكم ) *
وهذه كما ترى آيات محرمات لنساء موصوفات ، وعمدوا إلى قوله تعالى : * ( إلا على
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) * فاستثنوا الأختين بملك اليمين ،
والام وابنتها بملك اليمين ، والعمة وبنت أخيها بملك اليمين ، والخالة وبنت الخالة
بملك اليمين ، من الآية التي فيها إباحة ملك اليمين . إلا أن يكون أختان معا أو أم
وابنة ، أو عمة وبنت أخيها ، فإن أولئك لا يحل وطؤهن ، ثم إن يستثنوا
الإماء الكتابيات بما أباحوه من ملك اليمين ، فلو أن عاكسا عكس فأباح الأختين
والام والابنة بملك اليمين ، وحرم الأمة الكتابية بقوله تعالى : * ( ولا تنكحوا
المشركات حتى يؤمن كان يكون بينهم إلا التحكم بلا دليل ؟ .
فإن قالوا : قد أبيحت الكتابية ، قيل لهم : أخطأتم إنما أبيحت بالزواج لقوله
تعالى : * ( والمحصنات من الذين أو توا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) *
الاحكام — صفحة 377
مساهمون: ابن حزم
ص٣٧٧