وقال تعالى * ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) * فلا شئ بعد
النص المذكور آنفا أعم ولا أكثر معاني من هذا النص الثاني . فلو لم يرد غيرهما
لحرم النكاح جملة ، والوطئ بالبتة ، ولكان النساء كلهن مستثنيات مما أبيح
النص الأكثر المذكور آنفا ، فلو لم يرد غير هذين النصين لحرم النساء جملة .
وقال تعالى : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * فكان هذا مبيحا لما حظر النص
المذكور الذي فيه حفظ الفروج ، لو لم يرد غير هذه النصوص لوجب الاخذ
بالتحريم ، لان الآية التي فيها إباحة النكاح موافقة للنص الأكثر الذي فيه
إباحة كل ما في العالم ، وإنما هي تأكيد وتكرار كسائر ما في القرآن من التكرار
والتأكيد الذي أورده الله تعالى كما شاء ، * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * كما
كرر تعالى أخبار الأنبياء عليهم السلام : * ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) *
و * ( أطيعوا الرسول ) * فكرر إباحة نكاح النساء كما شاء .
ولسنا نقول : إن شيئا من هذه النصوص قبل كل شئ ، ولا أن شيئا منها
بعد شئ ، وسواء نزل بعضها قبل بعض ، أو نزلت معا ، لا فرق عندنا بين شئ
من ذلك ، وليس شئ مما نزل بعد رافعا لشئ نزل قبل إلا بنص جلي في أنه
رافع له ، أو بإجماع على ذلك ، وإلا فهو مضاف إليه ومعمول به معه ضرورة
لا بد من ذلك ، فلما صح ما قلنا من استثناء تحريم النكاح جملة مما أباح تعالى لنا ،
ووجدناه تعالى قد استثنى إباحة النكاح من حفظ الفروج استثناء تاما بقوله
تعالى : * ( والذين هم لفروجهم حافظون ئ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم
فإنهم غير ملومين ئ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) * فصح يقينا أن
الزواج وملك اليمين مستثنى مما حرم من إهمال الفروج .
ثم وجدها هذا الاستثناء يحتمل أن يؤخذ به على عمومه ، فيخص به من آية
التحريم أشياء كثيرة : منها الأختان بملك اليمين ، والام والابنة بملك اليمين ،
والكتابية بملك اليمين ، والحائض والمحرمة والصائمة فرضا ، والحريمة بصهر
أو رضاع ، ويحتمل ألا يخرج من النص الذي فيه تحريم إهمال الفروج جملة
إلا ما خص نص جلي أو إجماع متيقن على إخراجه منه ، فلو أخرجنا من النص
الذي فيه تحريم إهمال الفروج كل ما يحتمل إخراجه ، لكنا قد أسقطنا ما تيقنا
الاحكام — صفحة 376
مساهمون: ابن حزم
ص٣٧٦