أن نفهم استقبال الكعبة والآتيان بأربع ركعات للظهر في كل ركعة سجدتان ،
وثلاث للمغرب من قوله تعالى : * ( وأقيموا الصلاة ) * ولا في وسعنا أن نفهم إعطاء
شاة من خمس من الإبل ، وما يجب من الزكاة من البقر والغنم من قوله تعالى :
* ( آتوا الزكاة ) * ولأجل هذا النص منعنا من أن يكون تعالى يكلفنا ما لا نطيق ،
وأما لو شاء ذلك تعالى لكان حسنا في العقل ، ولو أنه تعالى كلفنا شرب ماء البحر
في جرعة ، ثم يعذبنا إن لم نفعل لكان ذلك عدلا وحقا ، ولكنه تعالى قد تفضل
علينا وآمننا من ذلك ولم يكلفنا ما لا نطيق ، فله الحمد والشكر لا إله إلا هو .
وكذلك قوله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) * ليس فيها بيان
كيفية تلك الصدقة ، ولا متى تؤخذ أفي كل يوم أم في كل شهر أم في كل عام ؟
أم مرة في الدهر ؟ ولا مقدار ما يؤخذ ولا من أي مال ، ففي قوله تعالى : * ( من
أموالهم ) * عمومان اثنان أحدهما : الأموال ، والثاني : الضمير الراجع إلى أرباب
الأموال ، فأما عموم الأموال : فقد صح الاجماع المنقول جيلا جيلا إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب الزكاة إلا في بعض الأموال دون بعض ، مع أن نص
الآية يوجب ذلك ، لأنه إنما قال تعالى : * ( خذ من أموالهم ) * فالظاهر يقتضي أن
ما أخذ مما قل أو كثر فقد أخذ من أموالهم كما أمر ، وقوله عليه السلام إذ سئل
عن الحمير : أفيها زكاة أم لا على أن هذا اللفظ ليس مرادا به جميع الأموال
وقد قال عليه السلام : إن أموالكم عليكم حرام وقال عليه السلام : كل المسلم
على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ، ونص عليه السلام على أنه لا يحل له أخذ
مال أحد إلا بطيب نفسه وليست الزكاة كذلك ، بل هم مقاتلون إن منعوها .
وأيضا فإن لفظة : * ( من ) * في قوله تعالى : * ( من أموالهم ) * إنما هي للتبعيض وأيضا
فلو كانت الأموال مرادة على عمومها لكان ذلك ممتنعا ، لان ذلك كان يوجب
الاخذ من كل برة ، ومن كل خردلة ، ومن كل سمة ، لان كل ذلك أموال ، فلما
صح بكل ما ذكرنا أنه تعالى لم يرد كل مال وجب طلب معرفة الأموال التي تجب
فيها الزكاة ، ومقدار ما يؤخذ منها ، ومتى يؤخذ من نص آخر ، أو من الاجماع إذ
قد ثبت أن المأخوذ هو شئ من بعض ما يملكونه ، فلا بد من بيان ذلك الشئ
المراد ، فإنه إذا أخذ شئ يقع عليه اسم شئ واحد من جميع أموالهم ، فقد أخذ
الاحكام — صفحة 374
مساهمون: ابن حزم
ص٣٧٤