وأما نقل الامر عن الوجوب إلى الندب فإنه لا مدخل للعقل فيه ، وإنما
يؤخذ من نص آخر أو إجماع فقط ، كما قلنا في قوله تعالى : * ( إذا حللتم فاصطادوا ) *
أنه إباحة لما ذكرنا في ذلك للاجماع على ذلك ، وقلنا في الوتر : إنه ندب
لقول الله تعالى له ليلة أسري به : هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ولأنه
عليه السلام كان ينتقل على البعير ، فإذا أراد الفريضة نزل وكان يوتر على البعير
وأما النهي عن القران بين التمرتين في الاكل والاشهاد على التبايع وكتاب
الديون ، والانتشار بعد الصلاة للنوم والاكل وطلب الرزق ، والاكل من
الهدي والاطعام منه ، ومن الأضحية والمكاتبة لمن طلبها ممن فيه خير من الرقيق ،
وإيتاؤهم من مالنا ، ففرائض كلها ، لأنه لا نص في إخراجها عن الوجوب ، ولا
إجماع ، وأما أمره تعالى لأهل النار بالدخول فيها وأن يخسؤوا ، وبصليها ، فأمر
اضطرار لا محيد لهم عنه ، وأما أمره تعالى لأهل الجنة بالاكل وبالشرب وقبول
النعيم فأمر إيجاب لا بد لهم من قبوله مختارين مغتبطين ، كما تفعل الملائكة فيما
يؤمرون به ، وبالله تعالى التوفيق .
فصل
في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه أم لا يحل على عمومه
قال علي : وأما النص الذي يصح البرهان على أنه ليس على عمومه ، فقد قال
قوم الباقي على عمومه ، وقال بعضهم - وهو عيسى بن أبان الحنفي قاضي البصرة - :
لا نأخذ منه إلا ما اتفق عليه .
قال علي : والصحيح من ذلك أنه كان من النصوص التي لو تركنا وظاهرها
لم يفهم منه المراد - فإننا لا نأخذ منها إلا ما يبينه نص آخر أو إجماع ، وذلك مثل :
أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأيضا فإن الله تعالى نص لنا على الصلاة والزكاة
بالألف واللام ، والألف واللام إنما يقعان على معهود ، ولا يفهم من هذا
الظاهر كيفية الصلاة والزكاة الواجبين علينا فوجب أن يطلب بيانهما من نصوص
أخر أو إجماع ، وقد أخبرنا تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وليس في وسعنا
الاحكام — صفحة 373
مساهمون: ابن حزم
ص٣٧٣