باطل بالطبيعة والشريعة واللغة ، أما الشريعة فقوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله
ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) * وحدوده تعالى ما نص على
تحريمه ، أو إيجابه أو إباحته فمن حرم غير ما نص الله تعالى على تحريمه ، أو أوجب
غير ما نص الله تعالى على إيجابه ، فقد تعدى حدود الله تعالى .
وأما الطبيعة فقد علمنا علم ضرورة أن الأسماء إنما وضعت ليعبر بها عن المعاني
التي علقت عليها وسميت بها ، لا عما لم يعلق عليه ولا سمي بها ، هذا ما لا يثبت في
عقل أحد غيره ، وما عداه فسفسطة وتخليط وإفساد للعالم ولبنية الحس والعقل .
وأما اللغة فإنا نسأل كل عالم وجاهل : ما البر ؟ فيقول : القمح ، فإن قلنا له عن
الشعير : ما هذا ؟ قال شعير ، فإن قلنا : هو بر ، أنكر ذلك وهزأ بقائله ، هذا
ما لا يختلف فيه أحد من شرق الدنيا وغربها حتى إذا أتى الدين - الذي هو المحتاط
فيه الواجب تحقيقه - حكموا للشعير بحكم البر ، وخالفوا ما أقروا أنه الحقيقة
وحكموا بما أثبتنا نحن وهم أنه باطل ، وتعدوا الحدود وأوقعوا الأسماء على غير
مسمياتها ، وبالله تعالى التوفيق .
فصل
في الوجوه التي تنقل فيها الأسماء عن مسمياتها ، فيخرج بذلك الامر عن
وجوبه إلى سائر وجوهه ، وعن الفور إلى التراخي ، وعن الظاهر إلى التأويل
وعن العموم لكل ما يقتضي إلى تخصيص بعضه وذكر الدلائل التي تدل على أن
الأسماء قد انتقلت عن مسمياتها إلى ما ذكرناه
قال علي : هذا باب كثر فيه التخليط ، وعظمت فيه الأغاليط ولو قلنا : إنه
أصل لكل خطأ وقع في الشرائع لم يبعد عن الصواب فلنقل - بحمد الله وعونه -
فيه قولا يرفع إن شاء الله تعالى الاشكال فنقول وبالله تعالى التوفيق :
إن الأسماء المنقولة عن معانيها تكون بأربعة أوجه : أحدها نقل الاسم عن
بعض معناه الذي يقع دون بعض ، وهذا هو العموم الذي استثني منه شئ ما
فبقي سائر مخصوصا من كل ما يقع عليه كقوله تعالى : * ( الذين قال لهم الناس إن
الناس قد جمعوا لكم ) * وكسائر ما ذكرنا .
الاحكام — صفحة 368
مساهمون: ابن حزم
ص٣٦٨