بالعداوة للمسلمين وآخرين من غيرهم مكاتمين بها فلم يكن حمل لفظة دون في الحديث
المذكور على معنى أقل ، أولى من حملها على معنى غير ، فوجب حملها على كلا المعنيين
جميعا ، وقد تناقض في ذلك أصحابنا ، فلم يحملوها إلا على معنى : أقل ، فقط .
قال علي : وهذا ترك منهم لقولهم بالعموم ، وحمل لفظة دون على معنى غير
أولى ، لان حملها على معنى غير يقضي في جملته أقل فهو القول بالعموم ،
لان الأقل من خمسة أوسق هو أيضا غير الخمسة الأوسق ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فهذه أقسام مفهوم الكلام ، وقد جعل قوم قسما رابعا : فقالوا :
وخصوص يراد به العموم .
قال علي : وهذا خطأ ، وليس هذا موجودا في اللغة ، وسنستوعب الكلام
في هذا إن شاء الله تعالى في باب الكلام في القياس ، وفي باب دليل الخطاب
بحول الله وقوته ، فإن اعترضوا علينا بأحاديث وردت في رجال بأعيانهم ، ثم صار
حكمها عندنا على جميع الناس ، فليس ذلك بما ظنوا ، ولكن جميع تلك الأحاديث
فيها أحكام في أحوال توجب الاخذ بذلك في أنواع تلك الأحوال ، اتباعا
للفظ الحكم المعلق على المعنى المحكوم فيه ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
لم يبعث ليحكم على أهل عصره فقط ، لكن على كل من يأتي إلى يوم
القيامة ، وفي كل ما يحدث من جسم أو عرض إلى انقضاء الدنيا ، ولا سبيل
إلى أن يبقي عليه حيا إلى أن يلقى كل أحد ، فكان حكمه على إنسان
في حال ما ، حدثت له أو منه ، حكما في وقوع تلك الحال كما قلنا .
ويبين ذلك الحديث الذي فيه : هو جبريل أتاكم يعلمكم دينكم أجل بيان
وأوضحه ، في أن كل خطاب منه صلى الله عليه وسلم لواحد فيما يفتيه به ، ويعلمه
إياه هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة ، وتعليم منه عليه السلام لكل من
يأتي إلى انقضاء الدنيا ، لان ذلك الحديث إنما خرج بلفظ تعليم الواحد في قوله
صلى الله عليه وسلم : أن تعبد الله كأنك تراه .
ويكفينا من هذا الحديث قوله عليه السلام - أثر جوابه لجبريل عليه السلام -
إن هذا الذي ذكر تعليم لهم ، فأشار إلى الخطاب المتقدم للواحد ، وبين ذلك أيضا
الاحكام — صفحة 365
مساهمون: ابن حزم
ص٣٦٥