قبل أن ينسخ ، وأما المحمول على الندب فلم يرد قط منا إلزامنا العمل به ،
وهذا فرق ظاهر .
قال علي : وكل ما ذكرنا فلا يحل أن يتعدى به موضوعه ، لأنه كما ترى
أنواع يجمعها جنس النقل للأسماء على مراتبها ، فمن استجاز منها واحدا بغير
برهان لزمه أن يجيز جميعها ، وفي ذلك القضاء بالنسخ على كل شريعة ، وبأنه
لا يفهم عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم لفظ أصلا إذ لعله قد نقل إلى
معنى آخر ، وهذا خروج عن الاسلام .
قال علي : وإذا قد ذكرنا وجود النقل للأسماء عن معانيها ، ومثلنا منها أمثلة ،
تدل عليها ، وتنبه على أمثالها مما لم نذكره بحول الله تعالى وقوته : فنذكر
إن شاء الله تعالى بتوفيقه لنا ، وعونه إيانا - الدلائل التي بها تعلم صحة الوجوه
التي ذكرنا ، وبها يثبت عندنا أن الاسم قد نقل إلى بعض الوجوه التي ذكرنا ،
والتي متى لم توجد لم يحل لمسلم أن يقول : إن هذا اللفظ على غير موجبه
وبالله تعالى التوفيق ، فلنقل وبالله نعتصم :
إن البرهان الدال على النقل الذي ذكرنا ينقسم قسمين لا ثالث لهما : إما
طبيعة وإما شريعة . فالطبيعة هو ما دل العقل بموجبه على أن اللفظ منقول
من موضوعه إلى أحد وجوه النقل الذي قدمنا مثل قوله تعالى : * ( الذين قال لهم
الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) * - فصح بضرورة العقل ، أن المراد بذلك بعض
الناس لان العقل يوجب ضرورة أن الناس كلهم لم يحشروا في صعيد واحد ،
ليخبروا هؤلاء بما أخبرهم به ، ولأن العقل يوجب ضرورة أن المخبرين لهم
بأن الناس قد جمعوا لهم ، غير الجامعين لهم ، وغير المجموع لهم بلا شك ،
وأن الجامعين غير المخبرين بالجمع ، وغير المجموع لهم بلا شك ومثل قوله تعالى :
* ( كونوا حجارة أو حديدا علمنا بضرورة العقل أنه أمر تعجيز ، لأنه لا يقدر
أحد على أن يصير حجارة أو حديدا ، ولو كان أمر تكوين لكانوا كذلك ، فلما
وجدهم العقل لم يكونوا حجارة ولا حديدا علم أنه تعجيز
وأما الشريعة فهي أن يأتي نص قرآن أو سنة ، أو نص فعل منه عليه السلام ، أو إقرار منه
عليه السلام ، أو إجماع على أحد وجوه النقل الذي ذكرنا كما دل الاجماع على أن اسم أب في
الاحكام — صفحة 370
مساهمون: ابن حزم
ص٣٧٠