أنهم خلقوا من نور ، وأما الجن فمن النار بنص القرآن ، إلا أننا نبعد
أن يكون في تركيبهم شئ من الماء ، وإن كان العنصر هو النار ، كما في تركيبنا
الماء والنار والهواء ، وإن كان عنصرنا التراب ، ومنها ما يكون اسما لنوع ما كقوله
تعالى : * ( والخيل والبغال والحمير ) * فهذا عموم لجميع الخيل ، ولجميع البغال والحمير ،
دون سائر الأنواع ، وليس هذا خصوصا لان معنى قولنا : عموم وإنما هو ما اقتضاه
اللفظ فقط دون ما تقتضيه ، فمن سمى هذا خصوصا فقد شغب وشبك .
وإنما يسمى ما بقي من الجملة بعد أن يستثنى منها خصوصا ، وما استثني منها مما
بقي خصوصا ، لان العموم الذي ذكرنا قد ارتفع ضرورة ، لان اللفظ حينئذ
ليس محمولا على كل ما يقتضيه لفظه ، فلما بطل أن يسمى ذلك عموما سمي خصوصا
لأنه خص منه بعضه دون بعض بالاستثناء وبالابقاء ، ومنه ما يقع لأهل صفة ما
من النوع ، كقوله تعالى : * ( ولذي القربى ) * ، فلما كان هذا عموما لذوي القربى كلهم دون
غيرهم وكان شاملا لكل ما وقعت عليه هذه التسمية بهذه الصفة وكقوله تعالى : * ( إنما
الصدقات للفقراء والمساكين ) * الآية ، فكان ذلك عموما لكل صدقة فرض بدليل
أخرج منها ما ليس فرضا ، وكان ذلك عموما لكل مسكين ، ولكل فقير ، ولكل عامل عليها ،
ولكل مؤلف قلبه ، ولكل ما سمي رقبة ، إلا أن يخص شيئا من ذلك نص أو إجماع ، وكذلك
قوله صلى الله عليه وسلم : الأئمة من قريش فهذا عموم لكل قرشي إلا من خصه
نص أو إجماع من النساء والصبيان ، وكذلك سائر النصوص .
والقسم الثالث : عموم دل نص القرآن والسنة على أنه قد استثني منه شئ ،
فخرج ذلك المستثنى مخصوصا من الحكم الوارد بذلك اللفظ .
قال علي : ومن العموم أن يكون لفظه مشتركا يقع على معان شتى ، وقوعا
مستويا في اللغة ، ومعنى قولنا : مستو ، أنه وقوع حقيقي ، وتسمية صحيحة لا مجازية ،
فإذا كان ذلك فحملها واجب على كل معنى وقعت عليه ، ولا يجوز أن يخص بها بعض
ما يقع تحتها دون بعض بالبراهين التي أثبتنا آنفا في إيجاب القول بالعموم .
قال علي : ومن خالف هذا من أصحاب الظاهرين ، فقد تناقض ، ولا فرق وبين وقوع
اسم على ثلاثة من نوع فصاعدا إلى تمام جميع النوع كقولك : مساكين وفقراء ،
وبين وقوع اسم على ثلاثة أشياء فصاعدا مختلفة الحدود ، يقع عليها كلها وقوعا مستويا ،
ليس بعضها أحق به من بعض ، ولهذا قلنا في قوله تعالى : * ( الزانية لا ينكحها إلا زان
الاحكام — صفحة 363
مساهمون: ابن حزم
ص٣٦٣