من بابه ، وهذه مجاهرة في اللغة ، ولا يعرفها أهل اللغة ، ولا يعرف أحد من أهل
اللسان أن قول القائل : أتاني القوم أجمعون ، أنه أراد مجتمعين ، بل جائز أن
يكون الذين أتوا أفرادا مفترقين ، وهذه هي السفسطة التي حذر منها الأوائل ،
وجملة الأمران أن هؤلاء قوم تعلقوا بأنهم وجدوا ألفاظا خارجة عن موضوعها في اللغة
إما إلى مجاز ، وإما إلى معان مشتركة فرأوا بذلك إبطال الحقائق كلها ، وإبطال وقوع
الأسماء على مسمياتها ، واختصاص كل اسم بمنعها ، وعمومه لكل ما علق عليه كانوا
بمنزلة من قال : لما وجدت في الكلام كذبا كثيرا فأنا أحمله كله على الكذب ، ووجدت
في الشريعة منسوخا كثيرا لا يحل العمل به ، إذ لعله قصد به غير ما يعقل منه ، ووجدنا
العمل بجميعه ، ولا فرق بين هذا وبين قولهم : وجدنا ألفاظا على غير ظاهرها ، فنحن
نقف في كل لفظ فلا نستعمله على مفهومه ، إذ لعله قصد به غير ما يعقل منه ، ووجدنا
ألفاظا لا يراد بها عمومها ، فنحن نقف في كل لفظ فلا نمضيه على ما علق عليه .
قال علي : وقد قال بعض أهل الوقف ، إذ سئل : فأي شئ نعرف بأن اللفظ على
عمومه ، بلفظ أم بمعنى ؟ وألزم أن احتمال التخصيص داخل في الثاني كدخوله في الأول ،
وهكذا أبدا ، وكلف والفرق بين اللفظ الثاني والأول فبلح عند ذلك ، إذ لا سبيل إلى
فرق ، فقال إن الأشياء التي بها يلوح العموم لا تحد ولا تحصر ولا سبيل إلى بيانها .
قال علي : وهذه ثنية الانقطاع التي من بلغها سقط حسيرا ، وعلم أنه لا حيلة
عنده ولا قوة لديه ، وهو دليل من دلائل العجز والضعف ، وكل من أقر بأنه
لا يقدر على بيان قوله ، فقد حصل في محل لا يعجز عن مثله ذو لسان إذا
استجاز لنفسه الفضائح ، فلا يعجز أحد عن أن يدعي ما شاء من المحالات
والدعاوى ، فإذا كلف بيانا أو دليلا قال : هذا لا يطاق عليه .
قال علي : ونظر ذلك هذا المبلح ، بأن قال : كما أن العدد الذي وجب
ضرورة العلم في الاخبار لا سبيل إلى حده .
قال علي : وقد كذب ، بل ذلك محدود ، وقد بينا فيما خلا ، وهو أنه إذا ورد اثنان
من جبهتين مختلفتين فحدثا غير مجتمعين ، وقد تيقن أنهما لم يلتقيا ولا توطأ ، فأخبرا
بحديث طويل لا يمكن اتفاق خاطر اثنين على توكيده ، ولم يكن هناك لهما ولا لمن حدثا
رغبة فيما حدثا به وعنه ، ولا رهبة ولا هوى وذكرا مشاهدة أو سماعا من اثنتين فصاعدا ،
الاحكام — صفحة 361
مساهمون: ابن حزم
ص٣٦١