أمتن الله تعالى به على أبينا آدم عليه السلام فائدة ؟ أم لا فائدة له ؟ فإن قالوا : لا
فائدة له كفروا ، وكذبتم الملائكة في إقرارهم بأن ذلك علم عظيم لم يكن عندهم حتى
علمهم إياه الخالق عز وجل ، وإن قالوا : إن لذلك التعليم فائدة سئلوا ما هي ؟ ولا سبيل
إلى أن تكون تلك الفائدة إلا إيقاع الأسماء على مسمياتها ، والفصل بين المسميات
بالأسماء ، ومعرفة صفات المسميات التي باختلافها وجب تخالف الأسماء ، ليقع
بذلك التفاهم بين النوع الذي أسكنه الله أرضه ، وأرسل إليهم الأنبياء بالشرائع ،
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة .
وإذ قد ثبت هذا وصح فكل من أراد أن يثبت أن الأسماء لا تفهم منها مسمياتها
على عموم ما يقتضيه اللفظ ، ولا يعرف بها ما علقت عليه فهو مبطل للعقل والشريعة
معا ، وبالله تعالى التوفيق ، وله الحمد على جميع نعمه لا إله إلا هو .
ويلزمهم في قوله تعالى : * ( حرمت عليكم أمهاتكم ) * أن يكون لعل ذلك في
بعض الأمهات دون بعض ، وفي بعض الأخوات والبنات دون بعض ، أو لعل الذي حرم
هو بيعه أو أكلهن دون جماعهن كما حملتم قوله تعالى : * ( فاقتلوا المشكين حيث
وجدتموهم ) * على بعض المشركين دون بعض ، فلم تبيحوا قتل الرهبان ، ولا قتل المرتدات ،
ولا أولاد المرتدين إذا بلغوا كفارا ، وكما فعلتم في القذف فلم تحدوا قاذف الكافرة
والأمة المسلمة ، وسائر ما حملتموه على الخصوص ، ومثل هذا لازم لهم في كل
خطاب في القرآن والسنن ، وبالله تعالى التوفيق .
ويقال لمن قال منهم : إن الذي يدل على حمل الألفاظ على عمومه إنما هو للتأكيد الوارد .
قال علي : يقال لهم : لو كان التأكيد ما ذكرتم لكان كلامهم متناقضا ، لأنا نجد التأكيد
يأتي مرتين وثلاثا ، الأول ، يأتي لاخراج اللفظ من الخصوص إلى
العموم ، الثاني : مثله أيضا ، ولو وجب أن يكون مخرجا للكلام المؤكد
والتأكيد الأول - عن الخصوص إلى العموم ، فكان يكون التأكيد الأول خصوصا
وعموما معا ، وهذا ولا يعلل الصحيح في ذلك ما قدمناه من أن التأكيد إنما هو حسم
لشغب أمثالهم فقط ، وليس التأكيد مخرجا للكلام المؤكد عن خصوص إلى عموم أصلا ،
وقد قال الله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * وقد أجاب بعض القائلين بالوقف
عن هذه المسألة فقال : معنى قوله تعالى : * ( أجمعون ) * ي بعد ذكر : * ( كلهم ) * هو غير المعنى
في * ( كلهم ) * ى لان * ( كلهم ) * هو مخرج لقوله تعالى : * ( الملائكة ) * وعن الخصوص إلى
العموم و : * ( وأجمعون ) * دال على أنهم سجدوا مجتمعين لا مفترقين .
قال علي : وهذا جهل شديد ، وكذب مفرط ، لان جميعا ليس معناه الاجتماع ، ولا هو
الاحكام — صفحة 360
مساهمون: ابن حزم
ص٣٦٠