وإنّ من المفروغ عنه في علم الكلام كرامات الأولياء . وقد برهنت عليها الفلاسفة بما لا معدل عنه ويضيق عنه المقام ؛ فإذا صحّ ذلك لكلّ وليّ ، فلماذا يعدّ غلوّا في حجج اللّه على خلقه ؟ ! وكتب أهل السنّة وتآليفهم مفعمة بكرامات الأولياء ، كما أنّها معترفة بكرامات مولانا أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - .
وأمّا الاستغاثة والنداء والانقطاع وما أشار إليها فلا تعدو أن تكون توسّلا بهم إلى المولى سبحانه ، واتّخاذهم وسائل إلى نجح طلباتهم عنده جلّت عظمته ، لقربهم منه وزلفتهم إليه ومكانتهم عنده لأنّهم عباد مكرمون ، لا لأنّ لذواتهم القدسيّة دخلا في إنجاح المقاصد أوّلا وبالذات ، لكنّهم مجاري الفيض وحلقات الوصل ووسائط بين المولى وعبيده كما هو الشأن في كلّ متقرّب من عظيم يتوسّل به إليه . وهذا حكم عامّ للأولياء والصالحين جميعا وإن كانوا متفاوتين في مراحل القرب . كلّ هذا مع العقيدة الثابتة بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه سبحانه . ولا تقع في المشاهد المقدّسة كلّها من وفود الزائرين إلّا ما ذكرناه من التوسّل « 1 » ؛ فأين هذه من مضادّة التوحيد ؟ ! وأين هؤلاء من الخصومة معه ومع أهله ؟ !
فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
« 2 » .
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
« 3 » .
2 - قال :
تذهب الشيعة - تبعا للمعتزلة - إلى إنكار رؤية اللّه يوم القيامة ، وإنكار صفاته ، وإنكار أن يكون خالقا أفعال العباد ؛ لشبهات باطلة معلومة .
وقد أجمع العلماء من أهل الحديث والسنّة والأثر كالأئمّة الأربعة على الإيمان بذلك كلّه ، ليس بينهم خلاف في أنّ اللّه خالق كلّ شيء ، حتّى
هامش
( 1 ) - فصّلنا القول في ذلك في تلخيص الغدير : 446 - 449 .
( 2 ) - الأنعام : 112 .
( 3 ) - النحل : 105 .