وقال :
وممّا انتقد الناس معاوية أنّه اختار ابنه للخلافة ، وبذلك سنّ في الإسلام سنّة الملك المنحصرة في أسرة معيّنة ، بعد أن كان أساسه الشورى ويختار من عامّة قريش . وقالوا : إنّ هذه الطريقة الّتي سنّها معاوية تدعو في الغالب إلى انتخاب غير الأفضل الأليق من الامّة ، وتجعل في أسرة الخلافة الترف ، والانغماس في الشهوات والملاذ ، والرفعة على سائر الناس .
أمّا رأينا في ذلك فإنّ هذا الانحصار كان أمرا حتما لا بدّ منه لصلاح أمر المسلمين وألفتهم ولمّ شعثهم ؛ فإنّه كلّما اتّسعت الدائرة الّتي منها يختار الخليفة كثر الّذين يرشّحون أنفسهم لنيل الخلافة ، وإذا انضمّ إلى ذلك اتّساع المملكة الإسلاميّة ، وصعوبة المواصلات بين أطرافها ، وعدم وجود قوم معيّنين يرجع إليهم الانتخاب ، فإنّ الانتخاب لا بدّ واقع . ونحن نشاهد أنّه مع تفوّق بني عبد مناف على سائر قريش ، واعتراف الناس لهم بذلك وهم جزء صغير من قريش ، فإنّهم تنافسوا الأمر وأهلكوا الامّة بينهم ، فلو رضي الناس عن أسرة ودانوا لها بالطاعة ، واعترفوا باستحقاق الولاية ، لكان هذا خير ما يفعل لضمّ شعث المسلمين .
إنّ أعظم من ينتقد معاوية في تولية ابنه هم الشيعة ، مع أنّهم يرون انحصار ولاية الأمر في آل عليّ ، ويسوقون الخلافة في بنيه ، يتركها الأب منهم للابن ، وبنو العبّاس أنفسهم ساروا على هذه الخطّة « 1 » .
الجواب : لم ينتقد معاوية من ينتقده لمحض اختياره ، وإنّما انتقده من ناحيتين :
الأولى : عدم لياقته للتفرّد ، وهو كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في كلام له :
« لم يجعل اللّه - عزّ وجلّ - له سابقة في الدين ، ولا سلف صدق في الإسلام ، طليق بن طليق ، حزب من هذه الأحزاب ، لم يزل للّه - عزّ وجلّ - ولرسوله صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 ) - محاضرات تاريخ الأمم الإسلاميّة 2 : 120 .