وبعث بالكتاب مع أبي سلمة الجشمي ، فقرأه للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ابيّ بن كعب رضي اللّه عنه فكتب إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « قد أتاني كتابك ، وقديما غرّك - يا أحمق بني غالب وسفيههم ! - باللّه الغرور ، وسيحول اللّه بينك وبين ما تريد ، ويجعل لنا العاقبة ، وليأتينّ عليك يوم أكسر فيه اللّات والعزّى وساف ونائلة وهبل يا سفيه بني غالب ! » .
ولم يزل يحادّ اللّه ورسوله ، حتّى سار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لفتح مكّة ، فأتى به العبّاس بن عبد المطّلب رضي اللّه عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقد أردفه ، وذلك أنّه كان صديقه ونديمه في الجاهليّة ، فلمّا دخل به على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سأله أن يؤمّنه ، فلمّا رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال له : « ويلك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلّا اللّه ؟ » ، فقال : بأبي أنت وامّي ما أوصلك وأجملك وأكرمك ! واللّه لقد ظننت أنّه لو كان مع اللّه غيره لقد أغنى عنّي شيئا .
فقال : « يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه ؟ » ، فقال : بأبي أنت وأمّي ما أوصلك وأجملك وأكرمك ، أمّا هذه ففي النفس منها شيء ! فقال له العبّاس : ويلك اشهد بشهادة الحقّ قبل أن تضرب عنقك ، فشهد وأسلم .
فهذا حديث إسلامه كما ترى .
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
« 1 »
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
« 2 » .
3 - قال :
نقول : إنّ فكر معاوية في اختيار الخليفة بعده حسن جميل . وإنّه ما دام لم توضع قاعدة لانتخاب الخلفاء ، ولم يعيّن أهل الحلّ والعقد الّذين يرجع إليهم ، فأحسن ما يفعل هو أن يختار الخليفة وليّ عهد قبل أن يموت ؛ لأنّ ذلك يبعد الاختلاف الّذي هو شرّ على الامّة من جور إمامها « 3 » .
هامش
( 1 ) - التوبة : 70 .
( 2 ) - سورة ص : 67 - 68 .
( 3 ) - محاضرات تاريخ الأمم الإسلاميّة 2 : 119 .