الأول : أن الصارف عنه موجود ، والداعي إليه معدوم ، وكلما كان
كذلك امتنع الفعل ضرورة ، أما وجود الصارف فهو القبح والله تعالى عالم
به ، وأما عدم الداعي فلأنه إما داعي الحاجة إليه وهو عليه محال لأنه غير
محتاج ، وأما داعي الحكمة الموجودة فيه وهو محال لأن القبيح لا حكمة
فيه .
الثاني : أنه لو جاز عليه القبيح لامتنع إثبات النبوات ، واللازم باطل
إجماعا فالملزوم مثله .
بيان الملازمة أنه حينئذ لا يقبح منه تصديق الكاذب ومع ذلك لا يمكن
الجزم بصحة النبوة وهو ظاهر .
قال : وحينئذ يستحيل عليه إرادة القبيح لأنها قبيحة .
أقول : ذهبت الأشاعرة إلى أنه تعالى مريد لمجموع الكائنات حسنة
كانت أو قبيحة ، شرا كانت أو خيرا ، إيمانا كان أو كفرا ، لأنه موجد للكل
فهو مريد له ( 1 ) .
وذهبت المعتزلة إلى استحالة إرادته للقبيح والكفر وهو الحق ، لأن
إرادة القبيح أيضا قبيحة ، لأنا نعلم ضرورة أن العقلاء كما يذمون فاعل
القبيح فكذا مريده والأمر به .
فقول المصنف فحينئذ أتى بفاء النتيجة أي يلزم من امتناع فعل القبيح
امتناع إرادته ( 1 ) .
هامش
( 1 ) في الحاشية : ذهبت الأشاعرة إلى أنه لا يفعل القبيح .
إن قلت ورد في النقل الصحيح من أنه تعالى خالق الخير والشر في القرآن المجيد مثل قوله تعالى
( قل كل من عند الله ) يدل بظاهره على خلاف ما ذكرت فكيف المخرج منه ؟
قلت : كل من الخير والشر والحسنة والسيئة يقال على المعنيين ، والخير تارة يطلق على ( ملائم )
الطبع كالمستلذ من المدركات ويقابله الشر فيكون بمعنى غير الملائم له كالحيات والعقارب
وما أشبهها من المؤذيات فإن خلق [ الله ] يشتمل على حكم [ البتة ] وأخرى على ما يرادف
الحسن والمصلحة ويقابله السيئة فيكون معنى ما يرادف القبيح والمفسدة ، وكونه خالق الشر
هو ما كان بالمعنى الأول لا الثاني ، أو الثاني ويكون المراد خلق تقدير لا خلق تكوين ،
والحسنة تارة تطلق على ما يستطاب كالخصب وسعة الرزق ويقابلها السيئة كالجدب وضيق
الرزق كما في قوله تعالى ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا
بموسى ومن معه ) وأخرى على الطاعة يقابلها السيئة كالمعصية والمنسوب إليه من السيئة
هو ما كان بمعنى الأول دون الثانية ( س ط ) .