لأن الباري تعالى متصف بكماله اللائق به لاستحالة النقص عليه ، ومع ذلك
فهو مدرك لذاته وكماله ، فيكون أجل مدرك لأعظم مدرك بأتم إدراك ولا نعني
باللذة إلا ذلك .
وأما المتكلمون فقد أطلقوا القول بنفي اللذة ، إما لاعتقادهم نفي
اللذات العقلية ، أو لعدم ورود ذلك في الشرع الشريف ، فإن صفاته تعالى
وأسماءه توقيفية ، لا يجوز لغيره التهجم بها إلا بإذن منه لأنه وإن كان جائزا
في نظر العقل لكنه ليس من الأدب لجواز أن يكون غير جائز من جهة لا
نعلمها .
قال : ( ولا يتحد بغيره لامتناع الاتحاد مطلقا ) .
أقول : الاتحاد يقال على معنيين : مجازي وحقيقي .
أما المجازي : فهو صيرورة الشئ شيئا آخر بالكون ، والفساد ، أما
من غير إضافة شئ آخر كقولهم : [ كما يقال ] ، صار الماء هواء وصار الهواء
ماء ، أو مع إضافة شئ آخر كما يقال : صار التراب طينا بانضياف الماء
إليه .
وأما الحقيقي : فهو صيرورة الشيئين الموجودين شيئا واحدا موجودا .
إذا تقرر هذا فاعلم أن الأول مستحيل عليه تعالى قطعا ، لاستحالة
الكون والفساد عليه .
وأما الثاني فقد قال بعض النصارى : إنه اتحد بالمسيح فإنهم ، قالوا :
اتحدت لاهوتية الباري مع ناسوتية عيسى ( عليه السلام ) ، وقالت النصيرية : أنه
اتحد بعلي ( عليه السلام ) وقال المتصوفة ( 1 ) : إنه اتحد بالعارفين .
هامش
( 1 ) روى الشيخ السعيد محمد بن محمد بن النعمان [ أي الشيخ المفيد ] بإسناده إلى محمد بن
الحسين بن أبي الخطاب أنه قال قد كنت مع الهادي علي بن محمد عليهما الصلاة والسلام
في مسجد النبي ( ص ) فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري وكان رجلا بليغا
وكان له منزلة عظيمة عنده ( عليه السلام ) ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية وجلسوا في جانب
مستدير وأخذوا بالتهليل فقال ( عليه السلام ) لا تلتفتوا لهؤلاء الخداعين فإنهم خلفاء [ خلفاء
خ . ل ] الشياطين ومخربوا قواعد الدين يتزهدون لراحة الأجسام ويتهجدون لصيد [ لتصييد خ
ل ] الأنعام ، لا يهللون إلا لغرور الناس ولا يقللون الغذاء إلا لملأ النسناس [ العساس خ ل ]
واختلاس قلب الدفناس [ الأنفاس خ ل ] أورادهم الرقص والتصدية وأذكارهم الترنم والتغنية
فلا يتبعهم إلا السفهاء ولا يعتقد بهم إلا الحمقاء فمن ذهب إلى زيارة أحدهم [ فكأنما ذهب
إلى زيارة الشيطان ] ومن أعان أحدا منهم فكأنما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان ، فقال رجل
من أصحابه وإن كان معترفا بحقوقكم قال فنظر إليه شبه المغضب وقال دع ذا عنك من اعترف
بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا أما ترى أنهم أحسن طوائف الصوفية ، والصوفية كلهم مخالفونا
وطريقتهم مغايرة لطريقتنا وإن هم إلا نصارى ومجوس هذه الأمة أولئك الذين يجهدون في
إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون ( س ط ) رواه باختلاف الشيخ القمي في سفينة
البحار ( 2 / 58 ) مادة صوف .