تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
قوله : " اضمحل في الجو متلفقها ، وعفا في الأرض مخطها " ، اضمحل ذهب ، والميم زائدة ، ومنه الضحل وهو الماء القليل ، واضمحل السحاب : تقشع وذهب ، وفى لغة الكلابيين اضمحل الشئ بتقديم الميم ، ومتلفقها : مجتمعها ، أي ما اجتمع من الغيوم في الجو ، والتلفيق : الجمع : وعفا : درس ، ومخطها : أثرها ، كالخطة . قوله : " وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما " ، في هذا الكلام إشعار بما يذهب إليه أكثر العقلاء من أمر النفس ، وأن هوية الانسان شئ غير هذا البدن . وقوله : " ستعقبون منى " أي إنما تجدون عقيب فقدي جثة ، يعنى بدنا خلاء ، أي لا روح فيه ، بل قد أقفر من تلك المعاني التي كنتم تعرفونها وهي العقل والنطق والقوة وغير ذلك . ثم وصف تلك الجثة فقال : " ساكنة بعد حراك " بالفتح ، أي بعد حركة وصامتة بعد نطق " . وهذا الكلام أيضا ( 1 ) يشعر بما قلناه من أمر النفس ، بل يصرح بذلك ، " ألا تراه قال : " ستعقبون منى جثة " أي تستبدلون بي جثة صفتها كذا ! وتلك الجثة جثته عليه السلام ، ومحال أن يكون العوض والمعوض عنه واحدا ، فدل على أن هويته عليه السلام التي أعقبنا منها الجثة غير الجثة . قوله : " ليعظكم هدوي " ، أي سكوني ، وخفوت إطراقي ، مثله خفت خفوتا سكن ، وخفت خفاتا مات فجأة . وإطراقه : إرخاؤه عينيه ينظر إلى الأرض ، لضعفه عن رفع جفنه ، وسكون أطرافه : يداه ورجلاه ورأسه عليه السلام . قال : " فإنه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ ، والقول المسموع " ، وصدق عليه السلام ! فإن خطبا أخرس ذلك اللسان ، وهد تلك القوى لخطب جليل ، ويجب أن يتعظ العقلاء به . وما عسى يبلغ قول الواعظين بالإضافة إلى من شاهد تلك الحال ، بل بالإضافة إلى من سمعها ، وأفكر فيها ، فضلا عن مشاهدتها عيانا ! وفى هذا الكلام شبه من كلام الحكماء الذين تكلموا عند تابوت الإسكندر فقال أحدهم : حركنا بسكونه .
هامش
( 1 ) ب : " مشعر " .