قوله : " والهرب منه موافاته " ، هذا كلام خارج مخرج المبالغة في عدم النجاة ، وكون
الفرار غير مغن ولا عاصم من الموت ، يقول : الهرب بعينه من الموت موافاة للموت ، أي
إتيان إليه ، كأنه لم يرتض بأن يقول : الهارب لابد أن ينتهى إلى الموت ، بل جعل نفس
الهرب هو ملاقاة الموت .
قوله : " أبحثها " أي أكشفها ، وأكثر ما يستعمل " بحث " معدى بحرف الجر ،
وقد عداه هاهنا إلى " الأيام " بنفسه وإلى " مكنون الامر " بحرف الجر ، وقد جاء : بحثت
الدجاجة التراب ، أي نبشته .
قوله : " فأبى الله إلا إخفاءه ، هيهات علم مخزون " ! تقديره : هيهات ذلك ! مبتدأ
وخبره ، هيهات اسم للفعل ، معناها بعد ، أي علم هذا الغيب علم مخزون مصون ، لم أطلع عليه .
فإن قلت : ما معنى قوله : " كم أطردت الأيام أبحثها ؟ وهل علم الانسان بموته كيف
يكون ، وفى أي وقت يكون ، وفى أي أرض يكون ، مما يمكن استدراكه بالنظر
والفكر والبحث ؟
قلت : مراده عليه السلام أنى كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله أسأله كثيرا
عن هذا الغيب ، فما أنبأني منه إلا بأمور إجمالية غير مفصلة ، ولم يأذن الله تعالى في إطلاعي
على تفاصيل ذلك .
قوله : " فالله لا تشركوا به شيئا " الرواية المشهورة " فالله " بالنصب ، وكذلك " محمدا "
بتقدير فعل ، لان الوصية تستدعي الفعل بعدها ، أي وحدوا الله ، وقد روى بالرفع ،
وهو جائز على المبتدأ والخبر .
قوله : " أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين ، وخلاكم ذم ما لم تشردوا " ،
كلام داخل في باب الاستعارة ، شبه الكتاب والسنة بعمودي الخيمة ، وبمصباحين
شرح نهج البلاغة — صفحة 120
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص١٢٠