تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
وقال محمد بن وهيب الحميري : ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها * وما كنت منه فهو شئ محبب وهذا مأخوذ من قول أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد قيل له : ما أكثر حب الناس للدنيا ! فقال : هم أبناؤها أيلام الانسان على حب أمه . وقال آخر : يا موت ما أفجاك من نازل * تنزل بالمرء على رغمه تستلب العذراء من خدرها * وتأخذ الواحد من أمه أبو الطيب : وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا ( 1 ) كل دمع يسيل منها عليها * وبفك اليدين عنها تخلى شيم الغانيات فيها فلا أدرى لذا أنث اسمها الناس أم لا . فإن قلت كيف يقول : إنه لا يجد في الموت راحة ؟ وأين هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وآله : " الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر " ! ومن قوله عليه السلام : " والله ما أرجو الراحة إلا بعد الموت " ! وما ذا يعمل بالصالحين الذين آثروا فراق هذه العاجلة ، واختاروا الآخرة ، وهو عليه السلام سيدهم وأميرهم ! قلت : لا منافاة ، فإن الصالحين ، إنما طلبوا أيضا الحياة المستمرة بعد الموت ، ورسول الله صلى الله عليه وآله إنما قال : إن الدنيا سجن المؤمن ، لان الموت غير مطلوب للمؤمن لذاته ، إنما يطلبه للحياة المتعقبة له ، وكذلك قوله عليه السلام : " والله ما أرجو الراحة إلا بعد الموت " ، تصريح بأن الراحة في الحياة التي تتعقب الموت وهي حياة الأبد ، فلا منافاة إذا بين هذه الوجوه وبين ما فاله عليه السلام ، لأنه ما نفى إلا الراحة في الموت نفسه ، لا في الحياة الحاصلة بعده .
هامش
( 1 ) ديوانه 3 : 131 . 132 .