تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
جبينه ليرشح عرفا ، فقال واحد لآخر : ما له لا يتكلم ؟ أتراه يهاب النطق ! فوالله إنه لخطيب . فما تراه يهاب ؟ قال : أراه يريد أن يذكر قتل المصعب سيد العرب ، فهو يقطع بذلك . فابتدأ فقال : الحمد لله الذي له الخلق والامر ، ملك الدنيا والآخرة ، يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ألا إنه لا يذل من كان الحق معه وإن كان مفردا ضعيفا ، ولا يعز من كان الباطل معه ، وإن كان ذا عدد وكثرة . ثم قال : أتانا خبر من العراق ، بلد الغدر والشقاق ، فساءنا وسرنا ، أتانا أن مصعبا قتل رحمه الله ، فأما الذي أحزننا من ذلك فأن لفراق الحميم لذعة ولوعة ، يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوي ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر . وأما الذي سرنا منه ، فأن قتله كان له شهادة ، وإن الله جاعل لنا وله في ذلك الخيرة . ألا إن أهل العراق باعوه بأقل الأثمان وأخسرها ، وأسلموه إسلام النعم المخطمة ( 1 ) فقتل ، وإن قتل لقد قتل أبوه وعمه وأخوه ( 2 ) ، وكانوا الخيار الصالحين ، وإنا والله ما نموت حتف آنافنا ، ما نموت إلا قتلا قتلا ، وقعصا ( 3 ) قعصا ، بين قصد ( 4 ) الرماح ، وتحت ظلال السيوف ، ليس كما تموت بنو مروان ( 5 ) ، والله ما قتل منهم رجل في جاهلية ولا إسلام ، وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ، ولا يبيد ملكه ، فإن تقبل الدنيا على لا آخذها أخذ اللئيم البطر ، وإن تدبر عنى لا أبكى عليها بكاء الخرف ( 6 ) المهتر . ثم نزل . * * *
هامش
( 1 ) المخطمة ، من قولهم خطم البعير بالخطام إذا جعله على أنفه ، والخطام : ما وضع على أنف البعير ليقتاد به . ( 2 ) قتل أبوه عبد الله بن الزبير يوم الجمل ، قتله عمرو بن جرموز في صلاته بوادي السباع . وعمه عبد الرحمن بن العوام بن خويلد ، ويقال : مات قعصا ، أي أصابته ضربة أو رمية فمات في مكانه . ( 4 ) القصدة : القطعة مما يكسر ، وجمعه قصد . ( 5 ) كذا في جميع الأصول ، ويرى السيد جاسم أنها ( بنو أبى العاص ) . ( 6 ) الخرف : من فسد عقله من الكبر ، وكذلك المهتر .
شرح نهج البلاغة — صفحة 299 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم