فهو دأبهم وديدنهم ، فإذا تكلم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية وأمثالهما
ونسبهم إلى المعصية وفعل القبيح ، احمرت وجوههم ، وطالت أعناقهم ، وتخازرت
أعينهم ، وقالوا مبتدع رافضي ، يسب الصحابة ، ويشتم السلف ، فإن قالوا إنما
اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب ، قيل لهم فاتبعوا في البراءة من جميع
العصاة نصوص الكتاب ، فإنه تعالى قال : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر
يوادون من حاد الله ورسوله ) ( 1 ) ، وقال : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا
التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ) ( 2 ) ، وقال : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم ) ( 3 ) .
ثم يسألون عن بيعة علي عليه السلام : هل هي صحيحة لازمة لكل الناس ؟ فلا بد
من ( بلى ) ، فيقال لهم : فإذا خرج على الإمام الحق خارج أليس يجب على المسلمين قتاله
حتى يعود إلى الطاعة ؟ فهل يكون هذا القتال إلا البراءة التي نذكرها لأنه لا فرق بين
الامرين ، وإنما برئنا منهم لأنا لسنا في زمانهم ، فيمكننا أن نقاتل بأيدينا ، فقصارى
أمرنا الان أن نبرأ منهم ونلعنهم ، وليكون ذلك عوضا عن القتال الذي لا سبيل
لنا إليه .
قال هذا المتكلم : على أن النظام وأصحابه ذهبوا إلى إنه لا حجة في الاجماع ، وإنه
يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ والمعصية ، وعلى الفسق بل على الردة ، وله كتاب موضوع
في الاجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء ، ويقول إنها ألفاظ غير صريحة في كون الاجماع
حجة ، نحو قوله : ( جعلناكم أمة وسطا ) ( 4 ) وقوله : ( كنتم خير أمة ) ( 5 ) وقوله :
( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ( 6 ) .
هامش
( 1 ) سورة المجادلة 5 .
( 2 ) سورة الحجرات 9 .
( 3 ) سورة النساء 59 .
( 4 ) سورة البقرة 143 .
( 5 ) سورة آل عمران 110 .
( 6 ) سورة النساء 115 .