وكان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز ويستهزئ به ويكفره ، وعمر بن العزيز
وإن لم يكن من الصحابة فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد
من الصحابة .
وكيف يجوز أن نحكم حكما جزما إن كل واحد من الصحابة عدل ، ومن جملة
الصحابة الحكم بن أبي العاص ! وكفاك به عدوا مبغضا لرسول الله صلى الله عليه وآله !
ومن الصحابة الوليد بن عقبه الفاسق بنص الكتاب ، ومنهم حبيب بن مسلمة الذي
فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية ، وبشر بن أبي أرطاة عدو الله وعدو رسوله ، وفى
الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس . وقال كثير من المسلمين : مات رسول الله
صلى الله عليه وآله ولم يعرفه الله سبحانه كل المنافقين بأعيانهم ، وإنما كان يعرف
قوما منهم ، ولم يعلم بهم أحدا إلا حذيفة فيما زعموا ، فكيف يجوز أن نحكم حكما
جزما إن كل واحد ممن صحب رسول الله أو رآه أو عاصره عدل مأمون ، لا يقع
منه خطأ ولا معصية ، ومن الذي يمكنه أن يتحجر واسعا كهذا التحجر ، أو يحكم
هذا الحكم !
قال : والعجب من الحشوية وأصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء ، ويثبتون
إنهم عصوا الله تعالى ، وينكرون على من ينكر ذلك ، ويطعنون فيه ، ويقولون : قدري
معتزلي ، وربما قالوا ملحد مخالف لنص الكتاب ، وقد رأينا منهم الواحد والمائة
والألف يجادل في هذا الباب ، فتارة يقولون : إن يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد
الرجل من المرأة ، وتارة يقولون : إن داود قتل أوريا لينكح امرأته ، وتارة يقولون :
إن رسول الله كان كافرا ضالا قبل النبوة ، وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصة
الفداء يوم بدر .
فأما قدحهم في آدم عليه السلام ، وإثباتهم معصيته ومناظرتهم من يذكر ذلك
شرح نهج البلاغة — صفحة 32
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٣٢